عليه أصحابه ، ويودعون في غياهب السجون ؛ وربما افترضنا أنّ الخليفة المستنجد الذي جعل لابن حمدون مكانة خاصة وكفل له تقدما في حضرته واختصاصا بخدمته ( 1 ) أخذ عليه بعض التقصير في شؤون العمل أو الاستخفاف ببعض الآيين ، فأخرج غضبه في صورة أخرى ، حرّضه عليها بعض الحاسدين ، حين نبهه إلى أن ذلك « الموظف » غير المخلص يغمز من الدولة التي يعمل في ظلها ، فيما جمعه من أخبار وقصص في كتابه ، فأمر بحبسه ؛ أما مدة ذلك الحبس فلا تتحدث عنها المصادر ، ولعلها صادفت لديه مرضا وقهرا نفسيا فقضى نحبه في أوائل سنة 562 ( حسب قول العماد وابن خلكان ) أو في الحادي عشر من ذي القعدة سنة 562 ( حسب قول ابن الدبيثي ) ، ودفن في مقابر قريش ( 2 ) ؛ وفي ظلّ خدمته للدولة كان يلقب بكافي الكفاة أو كافي الدولة كما كان يلقب ببهاء الدين ( 3 ) .
عرف ابن حمدون بالفصاحة ( 4 ) والمعرفة التامة بالكتابة والأدب ، كما وصف بأنه كان كريم الأخلاق حسن العشرة وأنه « كلف باقتناء الحمد وابتناء المجد » ( 5 ) ويستفاد من كلمة للعماد أنه كان يقرب أهل الأدب ويشملهم بعطفه ( 6 ) ؛ وتدلّ التذكرة على أنه كان شغوفا بالأدب والتاريخ إلى جانب ما يحتاج إليه « الكاتب » من فروع الثقافة الأخرى ؛ ولا بدّ لمن يؤلف مثل التذكرة أن يكون شغوفا بجمع الكتب ، فالتذكرة إنما هي في نهاية الأمر ثمرة المطالعة والتقييد لما يستحسنه المطالع ، وقد نقدر أن هذا النحو من النشاط كان مجالا لارتياح ابن حمدون من أعباء الوظيفة ، كلما خلا إلى نفسه ، كما أن الحكايات في التذكرة
شرح
( 1 ) تاريخ ابن الدبيثي 1 : 205 .
( 2 ) ذكر صاحب النجوم الزاهرة أن ابن خلكان ذكر أن وفاة ابن حمدون كانت سنة 575 ، وهذا مما لم يرد في النسخ التي توفرت لدينا من هذا الكتاب ؛ أما تاريخ وفاته حسب قول ابن الدبيثي فإن هذا المؤرخ ينقله عن تاريخ صدقة بن الحسين الناسخ وتاريخ أبي الفضل بن شافع .
( 3 ) في معظم المصادر كافي الكفاة ، إلا الخريدة ففيها كافي الدولة ولعله أصوب .
( 4 ) المنتظم 10 : 221 .
( 5 ) الخريدة 1 : 184 .
( 6 ) وله على أهل الأدب ظل ( الخريدة : نفسه ) .