وتنهار ، وتتشقق السماء وتتداعى تكون الواقعة قد وقعت والقيامة قد قامت . وإذ ذاك يحدق الملائكة بجميع الأرجاء والجوانب . ويتجلَّى اللَّه على عرشه المحمول من قبل ثمانية من ملائكته فوق الكون والخلق . ويعرض الناس عليه دون أن تخفى منهم عنه خافية . ويكون قضاء اللَّه فيهم حيث يكونون فريقين . فريقا يعطى كتابه بيمينه فيبتهج ويسرّ بما كان عليه من يقين باللَّه ولقائه وحسابه ويدخل الجنة ليتمتع فيها بالعيشة الراضية والقطوف الدانية . ويقال له كل واشرب هنيئا فهذا جزاء ما قدمت من صالح العمل في الدنيا . وفريقا يعطى كتابه بشماله فيعتريه الرعب ويستشعر بالندم والحسرة ويتمنّى لو لم يبعث ولم يحاسب ، ويعول قائلا إن ماله لم يغن عنه شيئا . وسلطانه أو حجته قد غابت عنه ويؤمر الموكلون بالعذاب بأخذه وغلّ يديه وطرحه في جهنّم وربطه بسلسلة طولها سبعون ذراعا ، لأنه لم يؤمن باللَّه العظيم ولم يكن يحضّ على طعام المسكين ، ولن يجد له حينئذ صديقا حميما ولا ناصرا معينا ، ولن يكون له طعام إلَّا الصديد المعدّ للآثمين أمثاله .
والصلة بين هذه الآيات وسابقاتها قائمة في هدف التذكير والإنذار . فكما أهلك اللَّه المكذّبين الكافرين الأوّلين بأنواع البلاء في الدنيا فقد أعدّ لهم أنواع العذاب في الآخرة . وشأن كفار العرب شأن الكفار السابقين ومصيرهم هو نفس المصير .
وقد ذكر مصير المؤمنين الصالحين في سياق ذكر مصير الكفار للمقابلة والتنويه جريا على الأسلوب القرآني .
والآيات الأولى قد استهدفت - كما هو المتبادر بالإضافة إلى حقيقة المشاهد الأخروية التي يجب الإيمان بها - تصوير شدّة هول القيامة للتذكير والإنذار . وقد جاء وصف مصير المؤمنين أخاذا من شأنه أن يبعث الطمأنينة والاستبشار والرغبة في العمل الصالح في المؤمنين كما جاء وصف مصير الكفار مفزعا يثير الخوف ويحمل على الارعواء ، وهذا وذاك مما استهدفته الآيات فيما هو المتبادر أيضا .
ولقد استعيرت المألوفات الدنيوية في وصف مصير الفريقين جريا على النظم
التفسير الحديث — صفحة 388
مساهمون: محمد عزة دروزة
ص٣٨٨