الأمل والاعتماد على اللَّه وحده ومواجهة الأحداث بذلك .
ويلفت النظر إلى آية آل عمران [ 159 ] ففيها ما ينفي ذلك بصراحة وقوة حيث تأمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم بمشاورة المسلمين واتخاذ الرأي الأفضل ثم العزيمة على السير به والاتكال على اللَّه في تحقيقه . وفي حديث عمر أيضا نفي صريح حيث يذكر أن الطير لا يقعد عن الحركة في سبيل الرزق بل يسعى إليه فييسره اللَّه له . وهذا يكون شأن المسلم الذي يتوكّل على اللَّه حقّ توكله . وهناك حديثان مؤيدان لذلك أيضا .
واحد رواه الترمذي عن أنس جاء فيه : « إن رجلا قال يا رسول اللَّه أعقلها وأ توكل أو أطلقها وأ توكل ؟ قال : اعقلها وتوكّل » ( 1 ) . وحديث رواه الأربعة عن علي قال :
« كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلَّا وقد علم بمنزلها من الجنّة والنار . قالوا يا رسول اللَّه فلم العمل . أفلا نتّوكل قال اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له . ثم قرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى واتَّقى ‹ 5 › وصَدَّقَ بِالْحُسْنى ‹ 6 › فَسَنُيَسِّرُه لِلْيُسْرى ‹ 7 › وأَمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنى ‹ 8 › وكَذَّبَ بِالْحُسْنى ‹ 9 › فَسَنُيَسِّرُه لِلْعُسْرى [ الليل : 5 - 10 ] » ( 2 ) .
وهذا أمر طبيعي لا يتحمل إسهابا . والآيات والأحاديث التي لا تحصى كثرة شاهدة عليه فقد أودع اللَّه في الناس العقل والتمييز وجعل فيهم قابلية النشاط والعمل والكسب وأمرهم به والسعي إليه وقرر أنه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأمرهم بالتسابق في الخيرات . وحثهم على العمل الصالح مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقونه وحذّرهم من العمل السيء مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقون اجتنابه بما أودعه فيهم من قابلية العمل والتمييز والاختيار وجعل كل نفس رهينة بما كسبت وكل هذا أيضا ينفي ذلك الوهم كما هو المتبادر ويجعل مدى التوكل في نطاق ما شرحناه .
واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) التاج ج 5 ص 187 و 173 .
( 2 ) المصدر نفسه .