تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
وقد أمرت الفقرة الأخيرة النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالرد على الكفار واستنكاره لهذه المطالب وتوكيده أنه ليس إلَّا بشرا أرسله اللَّه ليبلغهم دعوته ويهديهم إليه ، وأسلوبها قوي أخّاذ ، وقد انطوى فيها قصد التوكيد بأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ليس له أي تصرف في الكون وأي قدرة على خرق النواميس .
وما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّه بَشَراً رَسُولًا ‹ 94 › قُلْ لَوْ كانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ‹ 95 › قُلْ كَفى بِاللَّه شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ إِنَّه كانَ بِعِبادِه خَبِيراً بَصِيراً ‹ 96 › الآيات متصلة بما سبقها اتصال تعقيب واستطراد كما هو المتبادر . وقد احتوت أولاها تعليلا لعدم إيمان أكثر الناس بما جاءهم أنبياؤهم به من الهدى وهو استغرابهم أن يكون رسول اللَّه إليهم من البشر وعدم تصديقهم بذلك ، واحتوت ثانيتها بيانا لحكمة اللَّه وسنته حيث اقتضتا أن يكون رسله من جنس المرسل إليهم ، فلو كان من سكان الأرض ملائكة لأرسل إليهم رسولا ملكا . وإنما أرسل رسولا بشرا إليهم لأنهم بشر مثله حتى يتمكن من مخاطبتهم ومساجلتهم وليس في هذا ما يستوجب الاستغراب والإنكار ، أما الآية الثالثة فقد أمرت النبي صلى اللَّه عليه وسلم بأن يعلن جعله اللَّه تعالى شهيدا وحكما بينه وبينهم ، فهو الأعلم بأمر عباده وما هم عليه ومن هو المحق ومن هو المبطل ، وقد جاءت بأسلوب انطوى فيه الاطمئنان بشهادة اللَّه وتقرير كون النبي صلى اللَّه عليه وسلم هو الصادق المحق الداعي إلى الحق والهدى ، وهذا الأسلوب القوي النافذ قد تكرر كثيرا في معرض الجدل مع الكفار وإفحامهم . والآية الأولى مطلقة حيث تشمل الناس في زمن النبي صلى اللَّه عليه وسلم والأمم السابقة التي حكت آيات كثيرة استغرابهم من إرسال اللَّه رسله من البشر وجحودهم رسالاتهم ، منها آيات سورة المؤمنون هذه ولَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِه ، فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّه ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُه أَفَلا تَتَّقُونَ ‹ 23 › فَقالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه ما هذا إِلَّا بَشَرٌ