جاءت الآية الأخيرة كخاتمة تعقيبية للصورة التي احتوتها الآيات : فالذي يتوب إلى اللَّه ويؤمن ويعمل صالحا فهو الذي يمكن أن ينجو من هذا الموقف العسير .
والمتبادر أن الآيات في جملتها استهدفت فيما استهدفته إثارة الخوف والفزع في نفوس الكفار من المصير الرهيب الذي سوف يصيرون إليه ، والحرج الشديد الذي سوف يواجهونه يوم القيامة ، وحملهم على الارعواء والتوبة إلى اللَّه تعالى ، وهم في متسع من الوقت حتى يضمنوا لأنفسهم النجاح والفلاح في ذلك اليوم ، وهذا مما ظل يتكرر في مختلف المواقف والمناسبات على اعتبار أنه الهدف الجوهري من الرسالة النبوية .
ولقد قال بعض المفسرين ( 1 ) إن المقصود من جملة * ( حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ) * هم الشياطين الذين وسوسوا للناس وأغووهم حتى أشركوهم مع اللَّه تعالى في العبادة والدعاء . كما قال بعضهم ( 2 ) إنهم أئمة الكفر ورؤوس الضلالة الذين حرّضوا العامة على الكفر فأطاعوهم . والجملة تتحمل كلا التأويلين . ونحن نرجح الثاني استئناسا بآية في البقرة تحكي براءة المتبوعين من التابعين يوم القيامة كما تحكيها هذه الآيات وهي إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأَوُا الْعَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبابُ ‹ 166 › بل إن في سورة الصافات آيات تؤيد ترجيحنا بقوة وهي وأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ‹ 27 › قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ‹ 28 › قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ‹ 29 › وما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ ‹ 30 › فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ ‹ 31 › فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ‹ 32 › فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ‹ 33 › .
ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‹ 68 › ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وما يُعْلِنُونَ ‹ 69 › وهُوَ اللَّه لا إِله إِلَّا هُوَ لَه الْحَمْدُ فِي الأُولى والآخِرَةِ ولَه الْحُكْمُ وإِلَيْه تُرْجَعُونَ ‹ 70 ›
هامش
( 1 ) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والخازن والطبرسي والزمخشري .
( 2 ) المصدر نفسه .