تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الحديث — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
وخلوها من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي والإشراك باللَّه ، وعدم حيلولتها بين الإنسان وواجباته نحو اللَّه والناس على ما شرحناه في مناسبتها السابقة . والمتبادر أن تخصيص الرسل بأم القرى ينطوي على حكمة اجتماعية بليغة ، فقاعدة البلاد هي الإمام والقدوة لسائرها ، فإذا قنعت بأمر وسارت في طريق تابعها الناس ، وينطوي في هذا تقرير ما يكون على قاعدة البلاد من تبعة وما تلعبه من دور عظيم في حياة البلاد أخيرا كان أم شرّا أو صلاحا أم فسادا . ولقد كان هذا هو الواقع في الدعوة الإسلامية فعلا ، فقد ظلت الدعوة ضيقة النطاق ومحل مناوأة وأذى في الحجاز لأن أهل مكة أم القرى لم يستجيبوا إليها ، فلما توارى معظم الزعماء المكابرين الذين قادوا حركة المناوأة وفتح اللَّه تعالى مكة لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم ودان أهلها بالإسلام زال السد ودخل الناس في دين اللَّه أفواجا ، وإذا كانت المدينة المنورة استجابت إلى الدعوة وغدت مركزها الذي استمدت منه القوة فإنها كانت خارجة نوعا ما عن نفوذ مكة المادي والمعنوي من جهة ، ولأن مكة ظلت في نظر معظم العرب القائد والإمام ، وظلت تقود حركة المقاومة والمناوأة للدعوة بقوة وعناد ، وتحول ماديّا ومعنويّا دون انضواء العرب إليها . وقد روى بعض المفسرين ( 1 ) أن الآية الأخيرة نزلت في رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وأبي جهل أو في علي وحمزة رضي اللَّه عنهما وفي أبي جهل أو في عمار والوليد بن المغيرة . والآية معطوفة ومعقبة على ما قبلها ومرتبطة بها ، والكلام فيها عام بالنسبة للفريقين ، وهذا ما يحمل على التوقف في الرواية كسبب لنزولها لحدتها . ولقد قال ابن كثير الذي كان من جملة من روى ذلك من المفسرين ( والظاهر أنها عامة ) وهو الصواب . واللَّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) انظر تفسيرها في الطبري والبغوي وابن كثير والطبرسي .