العذاب يوم القيامة ويخلَّد فيه ، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا ، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه ، وهم إذا ذكّروا بآيات اللَّه ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم ، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر ، ويتمنون على اللَّه أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة اللَّه ومرضاته ، كما يدعون اللَّه بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين . فهؤلاء يجزيهم اللَّه الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه ، ويجدون فيها من اللَّه التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام .
وقد تخلَّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذكر للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع اللَّه إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم اللَّه ويزنون لعذاب اللَّه وسخطه حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى اللَّه ويؤمنون به ويعملون الصالحات ، وحيث قرر فيهما أن اللَّه يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم ، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعتراف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى اللَّه رجوعا تاما .
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمن وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت - بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد اللَّه الصالحين وصفا مطلقا - صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى اللَّه ، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية ، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع ، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن ، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما .
وكل هذا من دون ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان اللَّه عليهم .