تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوائد الأصول من إفادات الميرزا محمد حسين الغروي النائيني — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
الوجوب ، ولذا قلنا : إنه لا يجري استصحاب العدم الأزلي بعد الزوال ، خلافا للفاضل النراقي - رحمه الله - سواء كان الزوال قيدا لوجوب الجلوس أو ظرفا ، خلافا للشيخ - قدس سره - على ما تقدم تفصيله . وبالجملة : لا معنى لاتصال اليقين بالشك إلا بأن لا يتخلل بينهما يقين آخر بالخلاف . وليس اتصال الشك باليقين من الأمور الواقعية التي يدخلها الشك ، بل هو من الأمور الوجدانية التي يعرفها كل أحد ، فإن الأمور الوجدانية تتبع الوجدان ، فكل شخص يعرف أن شكه متصل بيقينه أو منفصل عنه . نعم : انفصال الشك عن اليقين أو اتصاله به قد يكون واضحا - كالمثال المتقدم - وقد يكون خفيا ، ولا بأس بتوضيح ذلك بمثال ، وهو أنه لو كان إناء في الطرف الشرقي من الدار وإنا آخر في الطرف الغربي وعلم تفصيلا بنجاسة كل منهما ثم أصاب أحدهما المطر ، فتارة : يعلم تفصيلا بإصابة المطر لخصوص ما كان في الطرف الشرقي ، وأخرى : لا يعلم بذلك ، بل يعلم إجمالا بإصابة المطر لاحد الإنائين ، وعلى الأول - فتارة : يكون الاناء الواقع في الطرف الشرقي متميزا عن الاناء الواقع في الطرف الغربي ومعلوما بالتفصيل حال إصابة المطر له ، بأن كان بمنظر من الشخص ثم طرء عليه الترديد والاجمال واشتبه بالاناء الغربي ( 1 ) وأخرى : لا يكون الاناء الشرقي متميزا عن الاناء الغربي حال إصابة
هامش
( 1 ) أقول : لا يحتاج في بيان التفصيل بين الموارد من حيث فصل اليقين وعدمه بخياله بضرب الشرق بالغرب وعكسه ، بل نقول : بأن المعلوم بالاجمال تارة : العنوان الاجمالي المردد بينهما ، ك‍ " أحدهما " وأخرى : العنوان التفصيلي المردد انطباقه على أحدهما ، ك‍ " إناء زيد " مثلا ، وذلك أيضا تارة ، بفرض طرو الترديد بعدما علم انطباقه تفصيلا ، وأخرى : بفرض الترديد من الأول مقارنا للعلم ، وبعد ذلك نقول : فاسمع أولا بأن ما هو متعلق الانكشاف بالمقدار الذي تعلق به الانكشاف التام يستحيل وقوع الترديد فيه ، فالعلم بأي عنوان من العناوين يضاد الشك فيه ، ولذا قلنا كرارا : بأنه لابد من التمييز بين معروض العلم ومعروض الشك والترديد في جميع المقامات ، من دون فرق في ذلك بين العناوين العرضية الاجمالية أو الذاتية التفصيلية ، ومن هذه الجهة حققنا بأن متعلق العلم الاجمالي في جميع المقامات لابد وأن يكون صورة ومعروض الشك صورة أخرى - وإن كانا متحدين وجودا - من دون سرايتهما إلى الخارج كي يستلزم عروض المتضادين على شئ ووجود واحد ، ومن ذلك نقول : إن مثل العلم وغيره من الصفات الوجدانية ظرف عروضها الذهن وظرف اتصافها خارجي ، قبال ما كان كلا الظرفين خارجية أو ذهنية . وبعدما كان كذلك ، فنقول : إنه إذا علم بأحد الإنائين فلا جرم يصير المعلوم مثل هذا العنوان المخزون في الذهن - وإن لم يلتفت إلى ذهنيته - وأن الترديد والشك متعلق بصورة أخرى محتمل انطباق العنوان المعلوم عليه خارجا ، بمعنى اتحادهما فيه وجودا الذي هو أجنبي عن مرحلة عروض العلم أو الشك عليه ، وحينئذ صح لنا دعوى أن ما هو معروض اليقين يستحيل أن يكون معروض الشك ، وكذا بالعكس . فلا مجال في مثله دعوى احتمال انطباق العنوان بوصف المعروضية للعلم على العنوان الآخر ، إذ جهة المعروضية إنما هو من لوازم ذهنيته المحال انطباقه بهذه الحيثية مع عنوان آخر خارجا ، إذ هو فرع قابلية مجيئه في الخارج ، وليس كذلك ، وإلا ينقلب الذهن خارجا . نعم : لا بأس في عالم الاتصاف من دعوى احتمال انطباق ما هو المتصف بالمعلومية بما هو بإزاء معروضه من العنوان على المشكوك ، لان مرحلة الاتصاف من تبعات خارج العنوانين ، وفي هذا العالم يصلح انطباق أحدهما على الآخر ، فيحتمل ذلك في كل واحد من الطرفين . وحيث اتضح حال العناوين الاجمالية العرضية فلننقل الكلام إلى العناوين الذاتية التفصيلية ، كاناء زيد أو الاناء الشرقي بقوله ، فان العلم فيه أيضا في عالم العروض إذا تعلق بمثله يستحيل عروض الشك إلا بصورة أخرى المنتزعة عن وجوده ، وإحدى الصورتين في عالم العروض يستحيل أن يتحد مع الآخر في هذا العالم ، لأنهما متبائنان ذهنا ، وإنما احتمل انطباق أحدهما على الآخر في عالم الاتصاف الذي يكون ظرفه خارجا ، وهو ظرف اتحادهما أيضا ، كما أشرنا . فإذا عرفت ما ذكرنا ، فنقول : إن الغرض من احتمال الفصل باليقين في هذه الفروض إن كان احتماله في عالم الاتصاف والانطباق خارجا ، فهذه الجهة لا يختص بخصوص الأمثلة المزبورة ، بل يجري في كل علم إجمالي بالنسبة إلى طرفه ولو كان المعلوم العنوان العرضي ، كعنوان " أحدهما " . وإن كان الغرض من الفصل احتمال عروض صفة اليقين على ما عرض عليه الشك ، فذلك غير معقول بالنسبة إلى اليقين والشك الفعليين . نعم : لا بأس بالنسبة إلى اليقين الزائل بالشك الساري اللاحق على معروض اليقين ، وفي ذلك أيضا - مضافا إلى عدم الفرق بيه وبين العلم بالعنوان الاجمالي كأحدهما - أن العلم الزائل لا اعتبار به أصلا ، لان مدار الناقضية والمنقوضية في باب الاستصحاب على اليقين الفعلي كما هو ظاهر ، وحينئذ مثل هذا التفصيل بين الأمثلة لا يجدي إلا في إلقاء ذهن المبتدي المظلوم إلى الشرق والغرب ! وإلا فلا محيص منه بأن يقول : إما بالغاء الاستصحاب عن أطراف العلم الاجمالي بقول مطلق مع قطع النظر عن المعارضة لو كان نظره إلى احتمال الفصل في عالم الاتصاف ، أو بجريانه مطلقا لو كان نظره إلى احتمال الفصل في عالم العروض ، فتدبر فيما قال وقلت .
فوائد الأصول من إفادات الميرزا محمد حسين الغروي النائيني — صفحة 511 | الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني / الشيخ آغا ضياء الدين العراقي / الشيخ رحمة الله الرحمتي الأراكي