باب تعارض الاخبار كان الحكم عند تعارض النصين في وجوب الأكثر هو
التساقط والرجوع إلى البراءة ، إلا أن إطلاق أدلة التخيير تعم مورد تعارض
النصين في وجوب الأكثر ، فللمجتهد الفتوى على طبق أحدهما إذا قلنا بالتخيير
في المسألة الأصولية ، وللمقلد العمل على طبق أحدهما إذا قلنا بالتخيير في المسألة
الفقهية ، على ما سيأتي بيانه ( إن شاء الله تعالى ) في محله .
نعم : هنا بحث آخر قد تعرض له الشيخ - قدس سره - في المقام وفي باب
التعادل والتراجيح ، وهو أن التخيير في الاخذ بأحد المتعارضين هل يختص بما
إذا لم يكن في البين إطلاق أو عموم موافق لأحدهما ؟ بحيث كان المرجع بعد
التساقط لولا أدلة التخيير هو الأصول العملية ، فلو كان هناك عام موافق
فالعمل لابد وأن يكون على طبق العام لا التخيير ( 1 ) أو أن التخيير في الاخذ
هامش
( 1 ) أقول : بعدما كان مفاد أدلة التخيير في المتعارضين الوجوب التخييري لا صرف الارشاد إلى
التخيير في العمل ، كيف ! وهو خلاف ظاهر أمره بالتخيير بقوله : " إذن فتخير " فلا محيص حينئذ من
تطبيقه على مورد يمكن مخالفة هذا الامر ، وهو لا يكون إلا في صورة التمكن عن مخالفة مفاد المتعارضين ،
وبعد فرض انتهاء الأمر في تعارض الخبرين إلى النفي والاثبات اللتين هما من النقيضين يستحيل تصور
الوجوب التخييري في مثله ، كي ينتهي الامر إلى التخيير في المسألة الفرعية ، بل التخيير المتصور فيه هو مجرد
التخيير العملي الذي هو مفاد البراءة ، أو التخيير في المسألة الأصولية الراجع إلى الامر بأخذ كل واحد في
استطراقه إلى الواقع ، كي ينتج بعد الاخذ تعين الحجة والطريق له ، فإذا كان كذلك ، فنقول ، إن
المتعين بظاهر الامر في المولوية هو الأخير ، لا الأوليين ، وبعد ذلك نقول :
إن من المعلوم : أن حجية كل واحد قبل الاخذ به محال ، ولازمه تحير المكلف قبل الاخذ بواحد
منهما ، غاية الأمر أمكن للمكلف رفع تحيره بواحد منهما بعد أخذه ، وحينئذ لو بنينا على قصر اقتضاء
حجية العام على طرف لم يرد على خلافه حجة أقوى صدق هذا المعنى قبل الاخذ بواحد منهما ، وعليه
فلو كان الامر بالتخيير مختصا بالمتحير العقلي فلا يشمل المقام ، لوجود العام في رفع تحيره ، وإن قلنا
بعدم اختصاصه يشمل المقام ، فيسقط العام بعد الاخذ بالمخالف عن الحجية لوجود الحجة الأقوى على
خلافه ، ولا معنى حينئذ لمرجحية العام .
نعم : لو بنينا على اقتضاء العموم للحجية وأن الحجة الأقوى من باب وجود الأقوى في المتزاحمين
أمكن أن يقال : مع إمكان الاخذ بظهور العام - ولو بالأخذ بما يوافقه العقل - يحكم بالأخذ بظهور العام
وترجيح ما يوافق في الاخذ على وجود الاخذ المخالف للعام ، لاقوائيته ، وهذا هو الأقوى .