فمن أجزاء مختلفة وجواهر شتى غير أنه بالاجتماع شئ واحد .
قلت : فقولك : اللطيف فسره لي ، فإني أعلم أن لطفه خلاف لطف غيره
للفصل ، غير أني أحب أن تشرح لي ، فقال : يا فتح إنما قلت : اللطيف للخلق
اللطيف ولعلمه بالشئ اللطيف ، ألا ترى إلى أثر صنعه في النبات اللطيف وغير
اللطيف ، وفي الخلق اللطيف من أجسام الحيوان من الجرجس والبعوض وما هو
أصغر منهما مما لا يكاد تستبينه العيون ، بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الأنثى ،
والمولود من القديم ، فلما رأينا صغر ذلك في لطفه واهتدائه للسفاد والهرب من الموت
والجمع لما يصلحه بما في لجج البحار ( 1 ) وما في لحاء الأشجار والمفاوز والقفار
وإفهام بعضها عن بعض منطقها ( 2 ) وما تفهم به أولادها عنها ، ونقلها الغذاء إليها ، ثم
تأليف ألوانها حمرة مع صفرة وبياض مع حمرة علمنا أن خالق هذا الخلق لطيف ،
وأن كل صانع شئ فمن شئ صنع ( 3 ) والله الخالق اللطيف الجليل خلق وصنع لا
من شئ .
قلت : جعلت فداك وغير الخالق الجليل خالق ؟ قال : إن الله تبارك وتعالى
يقول : ( تبارك الله أحسن الخالقين ) ( 4 ) فقد أخبر أن في عباده خالقين ( 5 ) منهم عيسى
ابن مريم ، خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فنفخ فيه فصار طائرا بإذن الله ،
والسامري خلق لهم عجلا جسدا له خوار ، قلت : إن عيسى خلق من الطين طيرا
هامش
( 1 ) في البحار ( سما في لجج البحار ) وفي الكافي ( وما في لجج البحار )
( 2 ) استعمل الأفهام ههنا بمعنى التفاهم إذ تعدى بعن .
( 3 ) قوله : ( وإن كل صانع شئ - الخ ) جملة مستأنفة ، ويحتمل بعيدا عطفه على
مدخول علمنا .
( 4 ) المؤمنون : 14 .
( 5 ) هذا لا ينافي قوله تعالى : ( الله خالق كل شئ ) إذ هو تعالى خالق كل شئ
بواسطة أو بلا واسطة ، فإسناد خلق بعض الأشياء إلى الوسائط لا يخرجه عن كونه مخلوقا
له تعالى .