إليك وأتحبب إليك ، فهو دال بجوهره على أن التقرب لله لا لمن يراد جاهه ، ومن
جهل الفرق بين عبد وتوسل كيف يصح له القياس في دين الله وإلحاق بعض الفروع
ببعض ، والقياس أصعب أنواع الاجتهاد ، لكثرة ما يعتبر في أركانه من الشروط وما يرد
عليه من المعارضات والمناقضات وغير ذلك من أنواع الاعتراضات ، فلا يصفو مشربه إلا
لأهل الاجتهاد ومن أحاط بمداركهم على اختلاف مراتبهم ، ومن قصر عن تلك المراتب
لا يسوغ له الجزم بالحكم المأخوذ منه في دانق فكيف بالحكم المأخوذ منه في تكفير
المسلمين .
حيث تحقق الفرق بين العبادة والتوسل
فالعبادة فيها معنى زائد يناسب إناطة الحكم به
( الثالث ) حيث تحقق الفرق بين العبادة والتوسل ، فالعبادة فيها معنى زائد يناسب
إناطة الحكم به ، وهو اشتمالها على الإعراض عن الله وإطلاق الإلهية على غيره وإقامته
مقامه وخدمته بما يستحق أن يخدم ، وقد أشار إلى هذا المعنى بعض فضلاء أهل السنة ،
وملخص كلامه : أن الشبهة الحاملة لعبدة الأوثان على عبادتها هي أنهم استصغروا أنفسهم
فاستعظموا أن يعبدوا الله مباشرة ، ورأوا من سوء الأدب أن يشتغل الحقير من أول
وهلة بخدمة العظيم ، وقربوا ذلك بأمر مستحسن في العادة ، وهو أن الحقير لا ينبغي
له أن يخدم الملك حتى يخدم عماله إلى أن يترقى لخدمته ، وقال : وهذه هي الحاملة
على التوسل إلى الله تعالى بمن له جاه عنده ، إلا أن الشرع أذن في التوسل ولم يأذن في
العبادة فكانت حاجة الكفار تندفع بما شرعه الله ، إلا أن الله تعالى أعمى بصائرهم ، ولو
تنبهوا لأمر عادي آخر لأرشدهم ، فإن الملك من ملوك الدنيا إذا استجاه له أحد بعظيم
من وزرائه وتشفع له بذلك ، ربما أقبل عليه وأخذ بيديه وقضى ما أراده منه ، أما إذا
عظم ذلك الوزير بما يعظم به الملك وعامله بمعاملته وأقامه في مقامه فيما يختص به الملك
عن غيره ، رجاء أن يقضي ذلك الوزير حاجته من الملك ، فإن الملك إذا علم بصنيعه
يغضب أشد الغضب ، ولا يقتصر في العقوبة على قطع الرجاء من الحاجة بل يفتك به
وبالوزير إن أحب ذلك ، فمثال التوسل الأول ومثال العبادة الثاني فتأمل هذا المثال فإنه
التوسل بالنبي ( ص ) وجهلة الوهابيين — صفحة 59
مساهمون: أبي حامد بن مرزوق
ص٥٩