مقتضى تعريفها الذي ذكرته ، وإليه ذهب جمع من العلماء فقالوا من عبد الله طمعا في
الجنة أو خوفا من النار لم يعبده ، لأنه جعل حظه مقصدا والعمل وسيلة ، والوسائل
غير مقصودة لذاتها ، إذ لو سقطت المقاصد أو توصل إليها بغيرها سقطت ، وما كان هذا
شأنه لا يستقيم أن يكون عبادة ، ولهذا عد جماعة من السلف العامل للأجر عبد السوء
وخديم السوء ، أو شرط كمال وإليه ذهب جمع من العلماء منهم أبو إسحاق الشاطبي ،
وأطنبوا في ذلك ، وخلاصة كلامهم أن مراعاة الحظ العاجل أو الأجل مع مراعاة المقاصد
الأصلية التي راعاها الشارع لا يضر ، وإنما المضر انفراد مراعاة الحظ عن امتثال الأمر ،
لأنه حينئذ عمل بالهوى المض ، وطلب الحظ الأخروي كالعبادة خوفا من ناره أو طمعا
في جنته ليس بشرك ، إذ لا يعبد الحظ وأنما يعبد من بيده الحظ ، وقصد الحظ
الدنيوي فيها شرك أصغر وهو الرياء .
وعلى هذا فشرط كونها عبادة نية التقرب للمعبود ، فالسجود لا يكون عبادة ولا
كفرا إلا تبعا للنية ، فسجود الملائكة عليهم الصلاة والسلام لآدم عليه الصلاة والسلام
عبادة الله ، لأنه امتثال لأمره وتقرب وتعظيم له ، والسجود للصنم كفر إذا قصد به
التقرب إليه إذ هو عبادة لغير الله ، وكذا يحكم عليه به عند جهل قصده أو إنكاره لأنه
علامة على الكفر ، والسجود للتحية معصية فقط في شرعنا ، وقد كان سائغا في الشرائع
السابقة بدليل سجود يعقوب وبنيه ليوسف عليهم الصلاة والسلام ، فتحقق من تعريفي
العبادة لغة وشرعا أن العبادة التذلل والتعظيم للمعبود ، وعليه فليس كل تعظيم
عبادة ، وإن ضابط التعظيم المقتضي للعبادة هو أن يعتقد له التأثير في النفع والضر ، أو
يعتقد له الجاه التام والشهادة المقبولة بحيث ينفع في الآخرة ويستنزل به النصر والشفاء
في الدنيا .
التوسل بالنبي ( ص ) وجهلة الوهابيين — صفحة 57
مساهمون: أبي حامد بن مرزوق
ص٥٧