وقوله تعالى : * ( ولما رأى المؤمنون الأحزاب . . . الآية . قالت فرقة : لما أمر -
رسول الله صلى الله عليه وسلم - بحفر الخندق أعلمهم بأنهم سيحصرون ، وأمرهم بالاستعداد لذلك ،
وأعلمهم بأنهم سينصرون بعد ذلك ، فلما رأوا الأحزاب : * ( قالوا : هذا ما وعدنا الله
ورسوله ) * الآية ، وقالت فرقة : أرادوا بوعد الله ما نزل في سورة البقرة من قوله تعالى : * ( أم
حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) * إلى قوله * ( قريب ) * [ القرة : 214 ] .
قال * ع * : ويحتمل أنهم أرادوا جميع ذلك . ثم أثنى سبحانه على رجال عاهدوا
الله على الاستقامة فوفوا ، وقضوا نحبهم ، أي : نذرهم ، وعهدهم ، " والنحب " في كلام
العرب : النذر والشيء الذي يلتزمه الإنسان ، وقد يسمى الموت نحبا ، وبه فسر ابن
عباس وغيره هذه الآية ، ويقال للذي جاهد في أمر حتى مات : قضى فيه نحبه ، ويقال
لمن مات : قضى فلان نحبه ; فممن سمى المفسرون أنه أشير إليه بهذه الآية أنس بن النضر
عم أنس بن مالك ، وذلك أنه غاب عن بدر فساءه ذلك ، وقال لئن شهدت مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا ليرين الله ما أصنع . فلما كان أحد أبلى بلاء حسنا حتى قتل ووجد
فيه نيف على ثمانين جرحا ، فكانوا يرون أن هذه الآية في أنس بن النضر ونظرائه .
وقالت فرقة : الموصوفون بقضاء النحب ; هم جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفوا
بعهود الإسلام على التمام ، فالشهداء منهم ، والعشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة
منهم ، إلى من حصل في هذه المرتبة ممن لم ينص عليه ، ويصحح هذه المقالة أيضا ما
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على المنبر ، فقال له أعرابي : يا رسول الله ، من الذي قضى
نحبه ؟ فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ، ثم دخل طلحة بن عبيد الله على باب المسجد ، وعليه
ثوبان أخضران ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أين السائل ؟ فقال : هأنذا ، يا رسول الله قال
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 342
مساهمون: الثعالبي
ص٣٤٢