قال : " هذه الآية لكم " .
وقوله سبحانه : ( والذين كذبوا بآياتنا ) الآية وعيد ، والإشارة إلى الكفار ،
و ( سنستدرجهم ) معناه : سنسوقهم شيئا بعد شئ ودرجة بعد درجة ، بالنعم عليهم
والإمهال لهم ، حتى يغتروا ويظنوا أنهم لا ينالهم عقاب ، وقوله : ( من حيث لا يعلمون ) ،
أي : من حيث لا يعلمون أنه استدراج لهم ، وهذه عقوبة لهم من الله سبحانه على التكذيب
لما حتم عليهم بالعذاب ، أملى لهم ليزدادوا إثما .
وقوله : ( وأملي ) : معناه : أؤخر ملاوة من الدهر ، أي : مدة و ( متين ) : معناه :
قوي .
وقوله سبحانه : ( أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة / . . . ) الآية : تقرير يقارنه
توبيخ للكفار ، والوقف على قوله : ( أو لم يتفكروا ) ، ثم ابتدأ القول بنفي ما ذكروه ،
فقال : ( ما بصاحبهم من جنة ) أي : بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يكون المعنى : أو لم
يتفكروا أنه ما بصاحبهم من جنة ، ويظهر من رصف الآية أنها باعثة لهم على الفكرة في
أمره صلى الله عليه وسلم وأنه ليس به جنة كما أحالهم بعد هذه الآية على النظر .
وقال الفخر : قوله تعالى : ( أو لم يتفكروا ) أمر بالفكر والتأمل والتدبر ، وفي
اللفظ محذوف ، والتقدير : أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة ، والجنة : حالة من
الجنون ، كالجلسة ، ودخول " من " في قوله : ( من جنة ) ينفي أنواع الجنون . انتهى .
وقوله سبحانه : ( أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض . . . ) الآية : النظر هنا
بالقلب عبرة وفكرا ، و ( ملكوت ) : بناء عظمة ومبالغة .
وقوله : ( وما خلق الله من شئ ) : لفظ يعم جميع ما ينظر فيه ، ويستدل به من
الصنعة الدالة على الصانع ، ومن نفس الإنسان وحواسه ومواضع رزقه ، والشيء : واقع على
الموجودات ، ( وأن عسى ) : عطف على قوله : ( في ملكوت ) ، والمعنى : توقيفهم على
أن لم يقع لهم نظر في شئ من هذا ، ولا في أنهم قربت آجالهم ، فماتوا ففات أوان
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 98
مساهمون: الثعالبي
ص٩٨