وقوله سبحانه : ( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) ،
القول فيه : أن ذلك كله من عند الله : الهداية منه وبخلقه واختراعه ، وكذلك الإضلال ،
وفي الآية تعجيب من حال المذكورين .
وقوله سبحانه : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) ، هذا خبر من الله تعالى
أنه خلق لسكني جهنم والاحتراق فيها كثيرا ، وفي ضمنه وعيد للكفار ، " وذرأ " : معناه :
خلق وأوجد ، مع بث ونشر .
وقوله سبحانه : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا
يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل . . . ) الآية : لما كانت هذه الطائفة الكافرة
المعرضة عن النظر في آيات الله ، لم ينفعهم النظر بالقلب ، ولا بالعين ، ولا ما سمعوه من
الآيات والمواعظ ، استوجبوا الوصف بأنهم لا يفقهون ، ولا يبصرون ، ولا يسمعون ،
والفقه : الفهم ، ( أولئك كالأنعام ) في أن الأنعام لا تفقه الأشياء ولا تعقل المقاييس ، ثم
حكم سبحانه عليهم بأنهم أضل ، لأن الأنعام تلك هي بنيتها وخلقتها ، وهؤلاء معدون
للفهم والنظر ، ثم بين سبحانه بقوله : ( أولئك هم الغافلون ) الطريق الذي به صاروا أضل
من الأنعام ، وهو الغفلة والتقصير .
قال الفخر : أما قوله تعالى : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) ، فتقريره : أن الإنسان
وسائر الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة ، الغاذية ، والنامية ، والمولدة ، ومتشاركة أيضا
في منافع الحواس الخمس ، الباطنة والظاهرة ، وفي أحوال التخيل ، والتفكر ، والتذكر ،
وإنما حصل الامتياز بين الإنسان ، وسائر الحيوانات ، في القوة العقلية والفكرية التي تهديه
إلى معرفة الحق ، فلما أعرض الكفار عن أحوال العقل والفكر ، ومعرفة الحق ، كانوا
كالأنعام ، بل هم أضل ، لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل ، وقد قال
حكيم الشعراء : [ البسيط ]
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 96
مساهمون: الثعالبي
ص٩٦