الذي بكى وأجهش إليه : " إن هذا الجمل شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه " ، أي : تديمه في
الخدمة والعمل ، وظاهر الآية أن معناه : دائبين في الطلوع والغروب وما بينهما من المنافع
للناس التي لا تحصى كثرة ، وعن ابن عباس أنه قال : معناه : دائبين في طاعة الله ، وقوله
سبحانه : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) المعنى : أن جنس الإنسان بجملته قد أوتي من كل
ما شأنه أن يسأل وينتفع به ، وقرأ ابن عباس وغيره : " من كل ما سألتموه " - بتنوين كل - ،
ورويت عن نافع ، وقوله تعالى : ( وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ) ، أي : لكثرتها
وعظمها في الحواس والقوى ، والإيجاد بعد العدم والهداية للإيمان وغير ذلك ، وقال
طلق بن حبيب : إن حق الله تعالى : أثقل من أن يقوم به العباد ، ونعمه أكثر من أن يحصيها
العباد ، ولكن أصبحوا توابين ، وأمسوا توابين .
* ت * : ومن " الكلم الفارقية " : أيها الحريص على نيل عاجل حظه ومراده ،
الغافل عن الاستعداد لمعاده تنبه لعظمة من وجودك بإيجاده ، وبقاؤك بإرفاده ، ودوامك
بإمداده ، وأنت طفل في حجر لطفه ، ومهد عطفه ، وحضانة حفظه ، يغذك بلبان بره ،
ويقلبك بأيدي أياديه وفضله ، وأنت غافل عن تعظيم أمره ، جاهل بما أولاك من لطيف
سره ، وفضلك به على كثير من خلقه ، وأذكر عهد الإيجاد ، ودوام الإمداد والإرفاد ،
وحالتي الإصدار والإيراد ، وفاتحة المبدأ وخاتمة المعاد . انتهى .
وقوله سبحانه : ( إن الإنسان ) : يريد به النوع والجنس ، المعنى : توجد فيه هذه
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 384
مساهمون: الثعالبي
ص٣٨٤