قال : ( إنه ربي أحسن مثواي ) ، فيحتمل أن يعود الضمير في " إنه " على الله عز وجل ،
ويحتمل أن يريد العزيز سيده ، أي : فلا يصلح لي أن أخونه ، وقد أكرم مثواي ، وائتمنني ،
قال مجاهد وغيره : " ربي " معناه سيدي وإذا حفظ الآدمي لإحسانه فهو عمل زاك ،
وأحرى أن يحفظ ربه ، والضمير في قوله : ( إنه لا يفلح ) مراد به الأمر والشأن فقط ،
وحكى بعض المفسرين أن يوسف عليه السلام لما قال : معاذ الله ، ثم دافع الأمر باحتجاج
وملاينة ، امتحنه الله تعالى بالهم بما هم به ، ولو قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ودافع
بعنف وتغيير ، لم يهم بشئ من المكروه .
وقوله سبحانه : ( وهم بها ) : اختلف في هم يوسف .
قال * ع * : والذي أقول به في هذه الآية : أن كون يوسف عليه السلام نبيا في
وقت هذه النازلة لم يصح ، ولا تظاهرت به رواية ، فإذا كان ذلك ، فهو مؤمن قد أوتي
حكما وعلما ، ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشئ دون مواقعته ، وأن يستصحب الخاطر
الردئ ، على ما في ذلك من الخطيئة ، وإن فرضناه نبيا في ذلك الوقت ، فلا يجوز عليه
عندي إلا الهم الذي هو الخاطر ، ولا يصح عندي شئ مما ذكر من حل تكة ، ونحو
ذلك ، لأن العصمة مع النبوة ، وللهم بالشيء مرتبتان ، فالخاطر المجرد دون استصحاب
يجوز عليه ، ومع استصحاب لا يجوز عليه ، إذ الإجماع منعقد أن الهم بالمعصية
واستصحاب التلذذ بها غير جائز ، / ولا داخل في التجاوز .
* ت * : قال عياض : والصحيح إن شاء الله تنزيههم أيضا قبل النبوة من كل عيب ،
وعصمتهم من كل ما يوجب الريب ، ثم قال عياض بعد هذا : وأما قول الله سبحانه :
( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) ، فعلى طريق كثير من الفقهاء
والمحدثين ، أن هم النفس لا يؤاخذ به ، وليس بسيئة ، لقوله عليه السلام عن ربه : " إذا هم
عبدي بسيئة ، فلم يعملها كتبت له حسنة " ، فلا معصية في همه إذن ، وأما على مذهب
المحققين من الفقهاء والمتكلمين ، فإن الهم إذا وطنت عليه النفس سيئة ، وأما ما لم توطن
عليه النفس من همومها وخواطرها ، فهو المعفو عنه ، وهذا هو الحق ، فيكون إن شاء الله
هم يوسف من هذا ، ويكون قوله : ( وما أبرئ نفسي . . . ) الآية [ يوسف : 53 ] : أي :
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 319
مساهمون: الثعالبي
ص٣١٩