وقوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال
الناس بالباطل ) ، المراد بهذه الآية : بيان نقائص المذكورين ، ونهي المؤمنين عن تلك
النقائص مترتب ضمن ذلك ، واللام في ( ليأكلون ) : لام التوكيد ، وصورة هذا الأكل هي
بأنهم يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك مما
يوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتقرب إلى الله ، وهم خلال ذلك يحتجنون تلك
الأموال ، كالذي ذكره سلمان في كتاب " السير " ، عن الراهب الذي استخرج كنزه ،
وقوله سبحانه : ( ويصدون عن سبيل الله ) ، أي : عن شريعة الإسلام والإيمان بنبينا
محمد صلى الله عليه وسلم .
وقوله سبحانه : ( والذين ) ابتداء ، وخبره ( فبشرهم ) والذي يظهر من ألفاظ الآية :
أنه لما ذكر نقص الأحبار والرهبان الآكلين للمال بالباطل ، ذكر بعد ذلك بقول عام نقص
الكانزين المانعين حق المال ، وقرأ طلحة بن مصرف : " الذين يكنزون " بغير واو ،
وعلى هذه القراءة يجرى قول معاوية : أن الآية في أهل الكتاب ، وخالفه أبو ذر ، فقال : بل
هي فينا .
و ( يكنزون ) : معناه : يجمعون ويحفظون في الأوعية ، وليس من شرط الكنز :
الدفن ، والتوعد في الكنز ، إنما وقع على منع الحقوق منه ، وعلى هذا كثير من العلماء ،
وقال علي رضي الله عنه : أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ، وما زاد عليها فهو كنز ، وإن
أديت زكاته .
وقال أبو ذر وجماعة معه : ما فضل من مال الرجل على حاجة نفسه ، فهو كنز ،
وهذان القولان يقتضيان أن الذم في حبس المال ، لا في منع زكاته فقط .
* ت * : وحدث أبو بكر بن الخطيب بسنده ، عن علي بن أبي طالب ، وابن عمر ،
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله فرض للفقراء في أموال الأغنياء قدر ما يسعهم ، فإن
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 177
مساهمون: الثعالبي
ص١٧٧