وقوله سبحانه : ( ذلك جزيناهم ببغيهم ) يقتضي أن هذا التحريم إنما كان عقوبة لهم
على بغيهم ، واستعصائهم على أنبيائهم .
وقوله سبحانه : ( وإنا لصادقون ) : إخبار يتضمن التعريض بكذبهم في قولهم : ما
حرم الله علينا شيئا .
وقوله سبحانه : ( فإن كذبوك ) : أي : فيما أخبرت به ، أن الله حرمه عليهم ، ( فقل
ربكم ذو رحمة واسعة ) أي في إمهاله ، إذ لم يعاجلكم بالعقوبة ، مع شدة جرمكم ، ولكن
لا تغتروا بسعة رحمته ، فإن له بأسا لا يرد عن القوم المجرمين ، إما في الدنيا وإما في
الآخرة ، وهذه الآية وما جانسها من آيات مكة مرتفع حكمها بآية القتال ، ثم أخبر سبحانه
نبيه - عليه السلام - ، بأن المشركين سيحتجون ، لتصويب ما هم عليه من شركهم وتدينهم :
بتحريم تلك الأشياء بإمهال الله تعالى لهم ، وتقريره حالهم ، وأنه لو شاء غير ذلك ، لما
تركهم على تلك الحال ، ولا حجة لهم فيما ذكروه ، لأنه سبحانه شاء إشراكهم وأقدرهم
على الاكتساب ، ويلزمهم على احتجاجهم أن تكون كل طريقة وكل نحلة صوابا ، إذ كلها لو
شاء الله لم تكن ، وفي الكلام حذف يدل عليه تناسق الكلام ، كأنه قال : سيقول المشركون
كذا وكذا ، وليس في ذلك حجة لهم ، ولا شئ يقتضى تكذيبك ، ولكن ، ( كذلك كذب
الذين من قبلهم ) ، بنحو هذه الشبهة من ظنهم أن ترك الله لهم دليل على رضاه بحالهم ،
وفي قوله تعالى : ( حتى ذاقوا بأسنا ) : وعيد بين .
وقوله سبحانه : ( قل هل عندكم من علم ) . أي : من قبل الله ، ( قل فلله الحجة
البالغة ) ، يريد البالغة غاية المقصد في الأمر الذي يحتج له ، ثم أعلم سبحانه أنه لو شاء ،
لهدى العالم بأسره ، و ( هلم ) : معناها : هات ، وهي حينئذ متعدية ، وقد تكون بمعنى :
" أقبل " ، فلا تتعدى ، وبعض العرب يجعلها اسم فعل ، ك " رويدك " ، وبعضهم يجعلها
فعلا ، ومعنى الآية : قل هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم ما زعمتم تحريمه ،
( فإن شهدوا ) ، أي : فإن افترى لهم أحد أو زور شهادة أو خبرا عن نبوة ونحو ذلك ،
فجنب أنت ذلك ، ولا تشهد معهم ، قلت : وهذه الآية / والتي بعدها من نوع ما تقدم من أن
الخطاب له صلى الله عليه وسلم ، والمراد غيره ممن يمكن ذلك منه ، ( وهم بربهم يعدلون ) ، أي : يجعلون
له أندادا يسوونهم به ، تعالى الله عن قولهم .
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي ) — صفحة 528
مساهمون: الثعالبي
ص٥٢٨