تصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر ، فأنتم أولى بالاستجهال منا . سمى سخريتهم استجهالا لأن السخرية
في مثل هذا المقام من باب السفه والجهل لأنها تعرض لسخط الله تعالى وعذابه ، وهو من إطلاق اسم المسبب على
السبب وفى التنزيل ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) والثاني قصاص وليس بعدوان وكذلك جزاء
سيئة سيئة مثلها . وقد استشهد بالبيت المذكور أيضا في سورة الفرقان عند قوله تعالى ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا
سلاما ) تسلما منكم لا نجاملكم ومتاركة لا خير بيننا ولا شر : أي نتسلم منكم تسلما ، فأوقع السلام مقام التسلم .
وقيل قالوا سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإثم ، والمراد بالجهل السفه وقلة الأدب ، ومنه قوله :
* ألا لا يجهلن أحد علينا *
( فما سمعت بأنني قط أرسلها * ولم تزل أنبياء الله ذكرانا )
هو لقيس بن عاصم وبعده :
فلعنة الله والأقوام كلهم * على سجاح ومن بالإفك أغرانا
وفى رواية عوض المصراع الأول : * أضحت نبيتنا أثنى نساء بها *
في سورة يوسف عند قوله تعالى ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ) رد لقولهم ( لو شاء الله لأنزل ملائكة )
وعن ابن عباس : يريد ليست فيهم امرأة ، وقيل في سجاح المتنبئة : * ولم تزل أنبياء الله ذكرانا *
وقصتها مع مسيلمة مشهورة ، وقد تقدمت عند قوله :
أمت سجاح ووافاها مسيلمة * كذابة من بنى الدنيا وكذاب
ومن أحسن ما قيل في تشبيه من يخلف الوعد بمسيلمة قول بعضهم :
ووعدتني وعدا حسبتك صادقا * فبقيت من طمعي أجئ وأذهب
فإذا جلست أنا وأنت بمجلس * قالوا مسيلمة وهذا أشعب
( فقلت له لما تكشر ضاحكا * وقائم سيفي من يدي بمكان
تعال فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان )
في سورة الرعد عند قوله تعالى ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب
بالنهار ) فإن سارب إما معطوف على من هو مستخف أو على مستخف وحده ، إلا أن من في معنى الاثنين كقوله :
* نكن مثل من يا ذئب يصطحبان *
كأنه قيل : سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار ، والموصول محذوف وصلته باقية : أي ومن
هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار ، وحذف الموصول المعطوف مع بقاء صلته سائغ ، ومنه قوله تعالى
( وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم ) لأن الثانية لو عطفت على صلة الأولى لم يكن لدخول حرف النفي معنى ، ومنه
قول حسان :
فمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء
أي ومن يمدحه وينصره ، وقوله مثل من يشير إلى البيت المذكور ، وتكشر أيدي أنيابه ، ولله در أبى الطيب
حيث يقول :
تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات ، شرح شواهد الكشاف — صفحة 552
مساهمون: محب الدين الأفندي
ص٥٥٢