في القرن الأول والثاني من اكتفاء الواحد منهم - كأبي حنيفة - بما بلغه ووثق
من الحديث وإن قل ، وعدم تعنيه في جمع غيره إليه ليفهم دينه ويبين
أحكامه ، قوى عندك ذلك الترجيح ، بل تجد الفقهاء لم يجتمعوا على
تحرير الصحيح والاتفاق على العمل به ، فهذه كتب الفقه في المذاهب
المتبعة ، ولا سيما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية ، فيها المئات من
المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها .
وقد أورد ابن القيم في أعلام الموقعين شواهد كثيرة جدا من رد
الفقهاء للأحاديث الصحيحة عملا بالقياس أو لغير ذلك ، ومن أغربها
أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقيه ، وقد أورد لهذا أكثر من ستين
شاهدا " ( 1 ) .
ومع ذلك كله فمن الغريب جمع الغزالي بين ذلك وبين رأيه في
الصحابة ، قال في المستصفى : " الأصل الثاني من الأصول الموهومة : قول
الصحابي ، وقد ذهب قوم إلى أن مذهب الصحابي حجة مطلقا ، وقوم إلى
أنه حجة إن خالف القياس ، وقوم إلى أن الحجة في قول أبي بكر وعمر
خاصة ، لقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( اقتدوا باللذين من بعدي ) ، وقوم إلى أن الحجة في
قول الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا . .
والكل باطل عندنا ، فإن من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت
عصمته عنه ، فلا حجة في قوله ، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ ؟ !
وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة ؟ ! وكيف يتصور عصمة قوم
يجوز عليهم الاختلاف ؟ ! وكيف يختلف المعصومان ؟ !
هامش
( 1 ) أنظر : أعلام الموقعين 2 / 294 - 424 .