* والثالث : ينزل عليه قول الأئمة ( عليهم السلام ) : " إن من شيعتنا من لا تناله
شفاعتنا إلا بعد عشرة آلاف عام " ، وفي بعضها أكثر من ذلك .
* والرابع : مقتضى القاعدة الكلامية التي اتفق على صحتها علماء
الإمامية ، وأيدها من السمع مثل قوله تعالى : * ( لها ما كسبت وعليها ما
اكتسبت ) * ( 1 ) ، وقوله جل وعلا : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره *
ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * ( 2 ) . .
وهي : إن من كان من المكلفين له ثواب وعليه عقاب ، لم يسقط عنه
بمسقط من تفضل من الله أو شفاعة أو غيرهما ، فالواجب الابتداء
بمعاقبته . . فإذا انتهى مقدارها أدخل الجنة ليكون الثواب له خالصا من
شوائب الكدر ، ولا يحبط عمله ويكون مخلدا في النار ، كما ذهب إليه
المعتزلة ومن ضارعهم ( 3 ) . .
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 286 .
( 2 ) سورة الزلزلة 99 : 7 و 8 .
( 3 ) الإحباط تعريفه في اللغة : هو من عمل عملا ثم أفسده ، والله أحبطه . لسان
العرب 7 / 272 مادة " حبط " .
قال الحسني : وفي تعريف الفقهاء المتكلمين : أن يكون أحد العملين مسقطا
وماحيا لآثار العمل السابق ، فكما يسقط الثواب بالمعاصي ، كذلك يسقط العقاب
بما يفعله الإنسان من الطاعات والخيرات ، وهو أن يكون المتأخر ماحيا للمتقدم
من خير أو شر ، وهذه المسألة من المسائل التي اختلفت فيها آراء الفرق الإسلامية .
فالمعتزلة يدعون أن الإنسان إذا عبد الله طول حياته ، وفعل معصية من المعاصي
التي تسمى كبيرة في عرف الفقهاء تبطل جميع أعماله السابقة ، وقد وافقهم على
ذلك الخوارج .
أما الأشاعرة فقد أنكروا الإحباط ، لأنهم يدعون أنه لا يجب على الله ثواب
المطيعين ولا عقاب العاصين ، وله أن يعذب المطيع ويعاقب العاصي .
وأما المرجئة فقد وافقوا المعتزلة على مبدأ الإحباط ، ولكن الإيمان بالله عندهم
يحبط جميع المعاصي مهما بلغت ، وجميع المعاصي لا تحبط الإيمان ، وذلك
عملا بالمبدأ العام الذي ترتكز عليه فكرة الإرجاء : " لا تضر مع الإيمان معصية ،
ولا تنفع مع الكفر طاعة " .
أما الإمامية فقد أنكروا الإحباط ، لقوله تعالى : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا
يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * ، هذا بالإضافة إلى أن الإحباط يؤدي إلى
عدم الوفاء بالوعد والوعيد ، لأنه تعالى قد وعد المطيعين بالثواب ، وتوعد العاصين
بالعقاب ، ولازم الإحباط عدم الثواب على الطاعات .
أنظر : الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة : 2143 - 215 .
قال المعتق في " المعتزلة وأصولهم الخمسة " - ص 249 - :
لقد اختلف المعتزلة في الإحباط على أقوال ، أهمها ما يلي :
الأول : رأي الجمهور منهم ، الذين يرون أن الإنسان إذا عبد الله طول حياته ثم
ارتكب كبيرة من الكبائر ، فإنها تبطل جميع أعماله السابقة .
يقول القاضي عبد الجبار : " . . . إن ما يستحقه المرء على الكبيرة من العقاب
يحبط ثواب طاعاته . . . " .
الثاني : رأي أبي علي الجبائي - من متأخري المعتزلة - الذي يرى أن الطاعات
السابقة على المعاصي يسقط منها بمقدار المعاصي ، وتبقى المعاصي على حالها ،
فمثلا من أطاع عشرين مرة ، وعصى عشر مرات ، يسقط من طاعاته بمقدار
معاصيه ، وتبقى معاصيه على حالها ، ولو زادت معاصيه على طاعاته ، فإنها
تذهب طاعاته بكاملها وتبقى معاصيه .
الثالث : رأي أبي هاشم ، الذي ذهب إلى أن الإحباط يكون من الطرفين ، فكما
تحبط الطاعات المعاصي ، كذلك تحبط المعاصي الطاعات ، فمثلا : من أطاع عشرا
وعصى عشرين ، فإنه تذهب طاعاته بما يقابلها من المعاصي ، ولا يبقى عليه سوى
الزائد من معاصيه .
يقول القاضي عبد الجبار : " . . . لو أتى المكلف بطاعة استحق عليها عشرة
أجزاء من الثواب ، وبمعصية استحق عليها عشرين جزءا من العقاب ، فمن مذهب
أبي علي أنه يحسن من الله تعالى أن يفعل به في كل وقت عشرين جزءا من
العقاب ، ولا يثبت لما كان قد استحقه على الطاعة التي أتى بها تأثير بعدما ازداد
عقابه عليه .
وقال أبو هاشم : لا ، بل يقبح من الله تعالى ذلك ، ولا يحسن منه أن يفعل به
من العقاب إلا عشرة أجزاء ، فأما العشرة الأخرى ، فإنها تسقط بالثواب الذي قد
استحقه على ما أتى به من الطاعة ، وهذا هو الصحيح من المذهب ، ولعمري إنه
القول اللائق بالله تعالى دون ما يقوله أبو علي . . .