تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة تراثنا — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
* والثالث : ينزل عليه قول الأئمة ( عليهم السلام ) : " إن من شيعتنا من لا تناله شفاعتنا إلا بعد عشرة آلاف عام " ، وفي بعضها أكثر من ذلك . * والرابع : مقتضى القاعدة الكلامية التي اتفق على صحتها علماء الإمامية ، وأيدها من السمع مثل قوله تعالى : * ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) * ( 1 ) ، وقوله جل وعلا : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * ( 2 ) . . وهي : إن من كان من المكلفين له ثواب وعليه عقاب ، لم يسقط عنه بمسقط من تفضل من الله أو شفاعة أو غيرهما ، فالواجب الابتداء بمعاقبته . . فإذا انتهى مقدارها أدخل الجنة ليكون الثواب له خالصا من شوائب الكدر ، ولا يحبط عمله ويكون مخلدا في النار ، كما ذهب إليه المعتزلة ومن ضارعهم ( 3 ) . .
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 286 . ( 2 ) سورة الزلزلة 99 : 7 و 8 . ( 3 ) الإحباط تعريفه في اللغة : هو من عمل عملا ثم أفسده ، والله أحبطه . لسان العرب 7 / 272 مادة " حبط " . قال الحسني : وفي تعريف الفقهاء المتكلمين : أن يكون أحد العملين مسقطا وماحيا لآثار العمل السابق ، فكما يسقط الثواب بالمعاصي ، كذلك يسقط العقاب بما يفعله الإنسان من الطاعات والخيرات ، وهو أن يكون المتأخر ماحيا للمتقدم من خير أو شر ، وهذه المسألة من المسائل التي اختلفت فيها آراء الفرق الإسلامية . فالمعتزلة يدعون أن الإنسان إذا عبد الله طول حياته ، وفعل معصية من المعاصي التي تسمى كبيرة في عرف الفقهاء تبطل جميع أعماله السابقة ، وقد وافقهم على ذلك الخوارج . أما الأشاعرة فقد أنكروا الإحباط ، لأنهم يدعون أنه لا يجب على الله ثواب المطيعين ولا عقاب العاصين ، وله أن يعذب المطيع ويعاقب العاصي . وأما المرجئة فقد وافقوا المعتزلة على مبدأ الإحباط ، ولكن الإيمان بالله عندهم يحبط جميع المعاصي مهما بلغت ، وجميع المعاصي لا تحبط الإيمان ، وذلك عملا بالمبدأ العام الذي ترتكز عليه فكرة الإرجاء : " لا تضر مع الإيمان معصية ، ولا تنفع مع الكفر طاعة " . أما الإمامية فقد أنكروا الإحباط ، لقوله تعالى : * ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * ، هذا بالإضافة إلى أن الإحباط يؤدي إلى عدم الوفاء بالوعد والوعيد ، لأنه تعالى قد وعد المطيعين بالثواب ، وتوعد العاصين بالعقاب ، ولازم الإحباط عدم الثواب على الطاعات . أنظر : الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة : 2143 - 215 . قال المعتق في " المعتزلة وأصولهم الخمسة " - ص 249 - : لقد اختلف المعتزلة في الإحباط على أقوال ، أهمها ما يلي : الأول : رأي الجمهور منهم ، الذين يرون أن الإنسان إذا عبد الله طول حياته ثم ارتكب كبيرة من الكبائر ، فإنها تبطل جميع أعماله السابقة . يقول القاضي عبد الجبار : " . . . إن ما يستحقه المرء على الكبيرة من العقاب يحبط ثواب طاعاته . . . " . الثاني : رأي أبي علي الجبائي - من متأخري المعتزلة - الذي يرى أن الطاعات السابقة على المعاصي يسقط منها بمقدار المعاصي ، وتبقى المعاصي على حالها ، فمثلا من أطاع عشرين مرة ، وعصى عشر مرات ، يسقط من طاعاته بمقدار معاصيه ، وتبقى معاصيه على حالها ، ولو زادت معاصيه على طاعاته ، فإنها تذهب طاعاته بكاملها وتبقى معاصيه . الثالث : رأي أبي هاشم ، الذي ذهب إلى أن الإحباط يكون من الطرفين ، فكما تحبط الطاعات المعاصي ، كذلك تحبط المعاصي الطاعات ، فمثلا : من أطاع عشرا وعصى عشرين ، فإنه تذهب طاعاته بما يقابلها من المعاصي ، ولا يبقى عليه سوى الزائد من معاصيه . يقول القاضي عبد الجبار : " . . . لو أتى المكلف بطاعة استحق عليها عشرة أجزاء من الثواب ، وبمعصية استحق عليها عشرين جزءا من العقاب ، فمن مذهب أبي علي أنه يحسن من الله تعالى أن يفعل به في كل وقت عشرين جزءا من العقاب ، ولا يثبت لما كان قد استحقه على الطاعة التي أتى بها تأثير بعدما ازداد عقابه عليه . وقال أبو هاشم : لا ، بل يقبح من الله تعالى ذلك ، ولا يحسن منه أن يفعل به من العقاب إلا عشرة أجزاء ، فأما العشرة الأخرى ، فإنها تسقط بالثواب الذي قد استحقه على ما أتى به من الطاعة ، وهذا هو الصحيح من المذهب ، ولعمري إنه القول اللائق بالله تعالى دون ما يقوله أبو علي . . .
مجلة تراثنا — صفحة 246 | مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث