العامة ومسألة ( علم الغيب ) :
إن تفسيرنا لآيات الغيب الواردة في القرآن الكريم ، لم تنفرد به الشيعة
الإمامية ، بل التزم به كثير من علماء العامة من أهل السنة : مفسرين ، وفقهاء ،
وعلماء كلام ، وغيرهم .
وقد ذكر العلامة الحجة المتتبع السيد عبد الرزاق الموسوي المقرم ،
مؤلف ( مقتل الحسين عليه السلام ) ( 2 ) أقوالهم بهذا الصدد .
هامش
( 2 ) هو العلامة الفاضل ، والمتتبع المحقق ، والزاهد السيد عبد الرزاق بن محمد .
ولد من والدين شريفين ، وفي بيت مزدان بالعلماء والصلحاء ، هاجر جد والده ( السيد قاسم
ابن حسون ، من مدينة ( الحسكة ) إلى مدينة النجف ، فولد السيد عبد الرزاق سنة 1316 ه
فيها .
نشأ في مكاتب العلم ، والمدارس الدينية ، وحضر في الدراسات العليا بحوث المجتهدين :
الشيخ محمد جواد البلاغي ( ت 1352 ه ) والسيد أبو الحسن الأصفهاني ( ت 1365 ه ) .
وساهم مع أستاذه البلاغي في نشر كتبه التي ناضل فيها عن شريعة الإسلام كالرحلة
المدرسية ، والهدى إلى دين المصطفى .
واختص بالشيخ محمد حسين الأصفهاني ( ت 1361 ه ) في دروس الفلسفة والكلام ،
وصحبه طويلا ، وبرغبة من السيد ، نظم الشيخ أرجوزته ( الأنوار القدسية ) في المعصومين
الأربعة عشر عليهم السلام ، التي استأثرت بعواطف السيد ، فكان يلازم تلاوتها ، ونثرها في
مواضع من كتبه ، وبالخصوص مقتله .
أخرج الكثير من المؤلفات القيمة بقلمه الشريف ، وطبع منها بعض ما يتعلق بالمعصومين
عليهم السلام وشخصيات علوية وإسلامية ، وأشهر مؤلفاته ( مقتل الحسين عليه السلام ) الذي
يعد من أغنى المقاتل مادة ، وأفضلها جمعا وترتيبا ، وقد حسم السيد المقرم فيه كثيرا مما كان
عالقا من البحوث والقضايا التاريخية والنسبية .
وكان السيد المقرم عالما ، شريفا ، شديدا الغيرة على الدين والحق ، لا تأخذه في الله لومة
لائم ، يثار غيظا إذا وجد مخالفة أو فسادا أو استهتارا بالموازين والقيم ، وكان مهيبا ، زاهدا .
التقيت به مرات عديدة فكان يبعث في روح الهمة والجد ، والتسابق في درجات العلم
والعمل ، وكان كثير الترحاب بكل الشباب من أهل العلم تمتلئ نظراته بالأمل والتوقع أن نسعى
ونستعد لخوض معارك العلم والعقيدة ، وكان يؤكد بكلامه اللطيف ما كان عليه الآباء والأجداد
من مقامات عالية في العلم والتحقيق ، والورع والتقوى ، ويستحث اللحوق بهم ، مشفعا ذلك
بالدعاء والبركة ، متبعا حديثه بابتسامة ظريفة .
وقد كنت حين ألتقيه ، أرجع بنفس مليئة بالعزيمة ، متطلعة إلى العمل ، تواقة إلى العلم .
وهكذا كان السيد المقرم يسعى في سبيل الأهداف الكبرى التي واصلها تبعا للأئمة عليهم
السلام في النضال ، والتربية والتعليم ، بلسانه ، وقلمه ، وقدمه ، وإقدامه .
توفي في النجف الأشرف سنة 1391 ه ، تغمده الله برحمته وأثابه فضله وبره وخيره ، ورفع
درجته .
وقد ترجم له ولده السيد محمد حسين ، في مقدمة ( مقتل الحسين عليه السلام ) ترجمة
ضافية استفدنا منها .
ولم أرسم في خطة بحثي هذا ، التعرض لكلمات العامة ، إلا أني لما اطلعت على ما كتبه
السيد المقرم في ( مقتل الحسين عليه السلام ) عن هذا البحث ، وهي كتابة ثمينة ومفصلة تقع
في الصفحات 44 - 66 ، بالعناوين التالية : ( الإقدام على القتل ) و ( آية التهلكة ) و ( علم الحسين
بالشهادة ) أودع فيها ما ملخصه : أن علم الأئمة عليهم السلام إنما هو فيض اختصهم الله به
لاستحقاقهم ذلك بخلافتهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيامهم بواجب الدعوة ،
فاقتضى أن يكون لهم من العلم ما يؤدون به حق الخلافة عن الرسالة التي كانت متصلة بالوحي
تنهل من علمه وتنعم بفيضه .
وأثبت علم الحسين عليه السلام بما آل إليه أمر نهضته ، ومن أبدع ما ذكره قوله : ( وإنما لم
يصارح بما عنده من العلم لكل من يرغب في إعراضه عن السفر إلى الكوفة لعلمه بأن الحقائق
لا تفاض لأي متطلب ، بعد اختلاف الأوعية سعة وضيقا ، وتباين المرامي قربا وبعدا ، فلذلك
يجيب عليه السلام كل أحد بما يسعه ظرفه وتتحمله معرفته وعقليته ) مقتل الحسين عليه
السلام : ص 66 .
وقد نقل السيد المقرم في بحثه بعض الأخبار وكلمات المفيد والعلامة والبحراني ، بشكل
مختصر ، واقتصرنا هنا على نقل كلمات العامة بواسطته تكريما له ، وتخليدا لذكره ، وتثمينا
لجهده ، وليكون ذكرا منا لفضله وخدماته الجليلة للدين والعلم وأهلهما .