تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجلة تراثنا — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
فإذا تنازع الفقهاء في مسألة ما وطبقوا عليها واحدة من هذه الأصول والقواعد فليس معنى ذلك أنهم عملوا بالاستصحاب ، وإنما رجعوا لتطبيق القاعدة على جزئياتها ومصاديقها . وتعبير النحاة هنا ب‍ ( الأصل ) من هذا القبيل . ذلك لأن ما يسميه النحاة ب‍ ( الأصل ) مثل : ( الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة ) و ( الأصل في الخبر أن يكون نكرة ) و ( الأصل في الفعل أن يكون ثلاثيا صحيحا مجردا . . . إلى آخره ) و ( الأصل في الأسماء الإعراب ) و ( الأصل في الأفعال البناء ) وأمثال ذلك من أصول ذهنية مجردة ، اخترعها النحاة دون أن تخطر ببال المتكلم العربي ، أقول : هذه الأصول ما هي في الواقع إلا ( مثل عليا ) افترضها النحاة للكلمة والجملة العربية لتسهل عليهم عملية التصنيف والتبويب فيما بعد ، فما كان جاريا على هذا ( الأصل المثالي ) جعلوه في ( قاعدة ) وما خرج عن هذا الأصل ، فإن كان غير مطرد اعتبروه ( شاذا ) لا يقاس عليه ، وإن كان مطردا ، جعلوا له ( قاعدة ) فرعية أخرى ، فالفعل ( ضرب ) جار على ( الأصل ) والفعل ( قال ) معدول به عن هذا الأصل ، ولكنهم أخضعوه لأصل آخر ، مفترض أيضا ، فقالوا : ( الأصل في قال : قول ، والأصل في باع : بيع ) ليستنتجوا من ذلك قاعدة تصريفية مطردة يصرح القياس عليها : ( إذا تحركت الواو - أو الياء - وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ) كما استنتجوا قاعدة : ( إذا وقعت الواو أو الياء متطرفة ، إثر ألف زائدة ، قلبت همزة ) مثل : كساء وبناء ، فإن أصلهما ( كساو ) و ( بناي ) . وحين وجدوا المبتدأ في قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة ) معدولا به عن الأصل المفترض : ( الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة ) جعلوه ضمن ( أصل ) فرعي آخر : ( حصول الفائدة للمخاطب ) : ولا يجوز الابتدا بالنكرة * ( ما لم تفد ) كعند زيد نمرة وهكذا . . . فليس مرادهم من هذه ( الأصول ) المفترضة إذن غير بناء نظريتهم النحوية الكاملة ، وتأسيس القواعد والضوابط التي لا تشذ عنها بنية
مجلة تراثنا — صفحة 144 | مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث