من لم يتصف بالعدل والقصد ، فما أمر رينان الفرنسي في القرن الماضي ببعيد ،
فقد ذهب إلى أن العرب أو قل : إن العقلية السامية لا ترقى إلى غيرها من
العقليات كالإغريقية والرومانية ، ومن أجل هذا كان هؤلاء عيالا على غيرهم من
الشعوب في حضارتهم ، وقد أسرف هذا الفرنسي المسيحي المتعصب لأكثر من
غرض واحد ، ولسنا بصدد بيان هذا ، وقد ذهب غيره هذا المذهب دون أن يلتزم
بعنفه وشدته ، ولا أريد أن أدفع عن ثقافتنا تأثير الإغريق فما إلى ذلك قصدت
وأنا إن فعلت ذلك فقد جرت على الحقيقة كما جار النفر الآخر " ( 68 ) .
إن لهذه الحملة المسعورة على السامية - أسبابها وأهدافها وأساليبها - لسنا
في مجال البحث عنها فللحديث عنها مجال آخر ، ومن هنا ذهب هؤلاء إلى تأثر
النحو العربي بالنحو اليوناني إما بصورة مباشرة أو بوساطة النحو السرياني ، ولم
يقولوا بتأثره بالنحو السرياني فحسب ، لأن السريان ساميون أيضا ، بينما اليونان غير
ساميين ، وهم لا يريدون الاعتراف بالساميين .
ولكن نقول : بأن النحو العربي لم يتأثر بالنحو اليوناني بصورة مباشرة لما
ذكرناه ، وكذلك لم يتأثر بالنحو السرياني كما سنبحثه ، فينهار أساس التأثر بالنحو
اليوناني .
وقد ذهب بعض المعاصرين إلى أن النحو العربي قد اكتسبه العرب من
النحو السرياني المشابه في كثير من أصوله وأحكامه للنحو العربي ، على اعتبار
اشتراكهما في السامية ، ولأن الاتصال بين العرب والسريان قد تم قبل الاتصال
بين العرب واليونان ، فلا بد أن يتعرف العرب على ثقافة السريان ومنها النحو ،
وذلك لأن النحو السرياني قد وضع قبل وضع النحو العربي كما يقول جرجي
زيدان : " إن السريان دونوا نحوهم وألفوا فيه الكتب في أواسط القرن الخامس
الميلادي ، وأول من باشر ذلك منهم الأسقف يعقوب الرهاوي الملقب بمفسر
هامش
( 68 ) دراسات في اللغة : 202 .