ظلالا وأشباحا ، حينما يرجع الإنسان إلى ذكراها في أيامه الآتية بعد انقضاء اللذة ، تولد
هذه الذكرى حزنا وكآبة .
ولكن ( أبيقور ) يعمم مفاهيم اللذة إلى حد أنها تشمل عنده اللذات العقلية
التي يكون إنجازها بسعي وكدح لإحراز الدرجات العليا في الحياة المعقولة ، ففي هذا
المدلول الشامل تكون أصالة اللذة بأهميتها الأساسية في واقع الحياة فوق الانتقاد
والرفض .
وإن الشارحين لفكرة المدرسة البوذية بإنكارهم اللذة في حياة هذا العالم لم
يعنوا نقض ذاك المعنى الشامل المستوعب للذة الجسمية ، بل تنكر هذه المدرسة الفكرية
في الواقع الأهواء والميل ، مضحية بها تجاه الأصول العقلية . وأما بهذا التفسير الذي
يبرئ المعتقد في اللذة من لوم التنازل عن قيم الإنسانية الكريمة .
وتبقي مسألة جديرة بالذكر هي أن اللذة مع مدلولها العقلي أيضا لا تمكننا
بجعلها أسمى المقاصد وأعلاها في الحياة الإنسانية ، رغما عن كونها عنصرا ذات قدرة
كبيرة جدا ، ورغم أن لنشاطها موقعا مهما في طبيعة الإنسان الجسمية والروحانية
كالإحساس بالألم الضار بالحياة ، الذي هو عنصر نشيط في وجود الإنسان ، إذ أنه حام
قوي يقف حارسا للحياة من الخلل في أنظمتها المنسقة .
هذا التفسير لفكرة اللذة يجعلها عاملا للدفاع في كل شؤون الإنسان المادية
والروحانية ، وأنا أعتقد أن تعبيرنا هذا عن أصالة اللذة هو - بالمقارنة - أقرب
التعبيرات لما يريده الفلاسفة الكبار في فلسفاتهم الإيجابية مثل المدرستين : الإشراقية
والرواقية وما قد ظهر في العصور الوسطى وفي العصر الحديث حول اللذة والألم وسعة
صلاتهما مع نواة حياتنا .
لقد ذكر ( بنتام ) في كتابه ( أصول القوانين ) المناقشات القيمة التي تعمم
مفهومي اللذة والألم إلى ما يشمل كل اللذات والآلام العقيلة والروحانية ( 1 ) .
ولا يوجد دليل يبرر لوم من يعتقد في أصالة اللذة فيقصرها على التمتعات
والاستجمامات الجسمية البحتة .
هامش
( 1 ) أصول القوانين ، بنتام ، ص 33 - 40 .