ثم يتم الفيلسوف المناقشة بهذه الكلمة : ( وقد يختلف الخير والشر بحسب
القياس ، فالشئ الذي هو عند الشهوة خير ، هو مثل المطعم الملائم والملبس الملائم ،
والذي هو عند الغضب خير ، فهو الغلبة ، والذي هو عند العقل خير فتارة - وباعتبار -
فالحق ، تارة - وباعتبار - فالجميل . ومن العقليات نيل الشكر ووفور المدح والحمد
والكرامة ، وبالجملة فإن همم ذوي العقول في ذلك مختلفة ( 5 ) .
إننا تجد الفيلسوف في هذه النصوص مصرا على رأيه إلى حد أنه لا يتصور أي
شخص بأن اللذة مقصورة على اللذات الحسية الجسمية ، فيؤكد هو على اللذة العقلية .
وقد يكون بعض الأحيان - وباعتبار - الخير عند العقل جميلا حقا ، فليس لأحد أن
يلوم ابن سينا لأجل كونه من القائلين باللذة الحسية الجسمية .
وابن سينا لا يقف عند حد في إثبات اللذة والألم العقلي ، بل هو يعتقد باللذة
والألم الروحاني أيضا ، وقد أشار إليهما في قوله هذا : ( وذلك الألم المقابل لمثل تلك
اللذة الموصوفة - وهو ألم النار الروحانية - فوق ألم النار الجسمانية ) ( 6 ) .
لقد صرح الفيلسوف بأعلى اللذة التي يجدها العارفون بعد إتمام مراحل السلوك
اللاهوتي نحو مقام أقرب إلى الله في هذه الحياة ، فقال : ( والعارفون المتنزهون إذا وضع
عنهم درن مقارنة البدن وانفكوا عن الشواغل خلصوا إلى عالم القدس والسعادة
وانتعشوا بالكمال الأعلى وحصلت لهم اللذة العليا ، وقد عرفتها ) ( 7 ) . .
فبهذه الفكرة العاقلة الجميلة يصبح لنا واضحا أن ابن سينا قد ترك المعتقدين
باللذة الجسمية غارقين في العواطف المنعشة ومعانقين لها في هذه الحياة الدنيوية ، ثم يديم
سيرة نحو المراتب الروحانية أعلى من مطلق اللذة ، فيقول لنا في لذة العارفين الذين هم
منهمكون عميقا في عظمة الوجود وملكوته ، كما قال الله تعالى : ( كذلك نري إبراهيم
ملكوت السماوات والأرض ) ( 8 ) ، والذين هم يعتقدون أن عباداتهم ، أعمالهم الدينية ،
حياتهم ومماتهم هي لله رب العالمين .
هامش
( 5 ) الإشارات ، ج 2 ، ص 88 .
( 6 ) الإشارات ، ج 2 ، ص 94 .
( 7 ) الإشارات ، ج 2 ، ص 96 .
( 8 ) سورة الأنعام ، آية 75 .