النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) ( 3 ) .
ومما قد نراه في سير الإنسان في طريقه إلى ( الأنا ) الأسمى هو تركه اللذة
الطبيعية المحضة تدريجيا ، حتى يتركها في الحالات الدنيا ، لوجوده الطبيعي ، ويستمر في
حركته نحو الكمال ، وفي الحقيقة ، ترك اللذة يبدأ بالانحراف عن غرض أو هدف يجر شخصا وراءه
إذ أنه يسير في طريقه نحو الكمال ، وبناءا على ذلك تنحدر اللذة تدريجيا إلى جانبه
كالظل الذي يرجع إلى قائمته ، فالشخص قد يحالفه الحظ في وقت ما فيصبح بها فائزا ،
وقد يهملها في وقت آخر ولا ينتبه إليها . ثم هو باستمرار تقدمه في طريق الكمال يترك
اللذة على الإطلاق ، يكف عن التمتع بها ، ويتقدم إلى الأمام مع باعث من رفعة
( الأنا ) التامة بدون أي ضرورة إلى بواعث اللذة والعوامل الدافعة الرافعة الآلام .
إن الإنسان بهذا التقدم لا يرى أي علة أو عامل إلا جوهر ذاته التي تكون
مضاءة بالأنوار الإلهية . ثم يحرز الإنسان تطورا في ذاته التي تستحق الأبدية والسرمدية
بأبدية الباري تعالى ، وعلى رأي أن ذلك هو ما يقصده أفلاطون في قوله : ( مت بالإرادة
تحيا بالطبيعة ) .
وإنه يعني بترك اللذات البهيمية والانسحاب منها ، وفي النهاية البقاء بالجوهر
الذاتي مع أبدية الباري تعالى .
اللذة العقلية والروحانية
لقد استعلى فيلسوفنا الكبير على اللذات الطبيعية البهيمية ، وذهب إلى اللذائذ
العقلية والروحانية ، فقال : ( فلا ينبغي لنا أن نستمع إلى قول من يقول : إنا لو حصلنا
على جملة لا نأكل فيها ولا نشرب فيها ولا ننكح فأية سعادة تكون لنا ؟ والذي يقول هذا
فيجب أن يبصر ويقال له : يا مسكين ، لعل الحال التي للملائكة وما فوقها ألذ وأبهج
وأنعم من حال الأنعام ، بل كيف يمكن أن يكون لأحدهما إلى الآخر نسبة يعتد بها ) ( 4 ) .
هامش
( 3 ) سورة الفجر ، آية 27 .
( 4 ) الإشارات ، ج 2 ، ص 87 .