كما ذكر أن والدة الرضي ذهبت بولديها : الرضي والمرتضى ، إلى أبي عبد الله محمد
ابن النعمان المعروف بالشيخ المفيد ( 30 ) ، وكانا صغيرين وطلبت منه أن يعلمهما
الفقه ( 31 ) ، ومن الطبيعي أن يكون الرضي - وهو ينخرط في مدرسة شيخ الإمامية وعالمها
الشهير بالشيخ المفيد - قد جمع شيئا من المقدمات العلمية ، التي تؤهله لولوج هذه المدرسة
العلمية وهو في سن مبكرة ( 32 ) .
ونقل أبو الفتح عثمان بن جني ( 33 ) أن الشريف أحضر إلى ابن السيرافي
النحوي ( 34 ) وهو طفل جدا لم يبلغ عشر سنين ، فلقنه النحو ( 35 ) .
نشأ الشريف الرضي في بغداد في بيت علم وفضل وتقى ، فالسيد والده الحسين بن
موسى من شخصيات الطالبيين ، وقد تولى نقابتهم وإدارة الحج ، وطبيعي أن لا تكون له
هذا الوجاهة والمكانة إلا إذا كان مبرزا في أسرته وطائفته ومجتمعه ، وقد وصفته بعض
هامش
( 30 ) قال ابن الجوزي في ترجمته : شيخ الإمامية ، وعالمها على مذهبهم ، كان له مجلس نظر يحضره كافة
العلماء ، توفي عام 413 ه أنظر ترجمته في تاريخ بغداد : 3 / 231 ورجال النجاشي : 283 .
( 31 ) قال ابن أبي الحديد في ( شرح النهج : 1 / 13 - 14 ) : " حدثني فخار بن معد العلوي الموسوي رضي الله
عنه قال : رأي المفيد أبو عبد الله محمد بن النعمان الفقيه الإمامي في منامه كأن فاطمة بنت رسول الله ( ص )
دخلت إليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين عليهما السلام صغيرين فسلمتهما إليه وقالت له :
علمهما الفقه ، فانتبه متعجبا من ذلك ، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه
المسجد فاطمة بنت الناصر وحولها جواريها وبين يديها ابناها محمد الرضي وعلي المرتضى صغيرين ، فقام إليها
وسلم ، فقالت : أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلمهما الفقه ، فبكى أبو عبد الله ، وقص عليها المنام ،
وتولى تعليمهما ، وأنعم الله تعالى عليهما وفتح لهما من أبواب العلم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا ، وهو باق
ما بقي الدهر " . وانظر الدرجات الرفيعة : 459 . وذكر ابن حجر في لسان الميزان : 4 / 223 - 224 ، هذه القصة في
ترجمة المرتضى ، ولكن قال إن الذي ذهب بهما إلى والداهما ، وهو غلط .
( 32 ) د . الحلو - المصدر المتقدم : 81 .
( 33 ) عثمان بن جني الموصلي النحوي ، أبو الفتح ، صاحب الخصائص واللمع ، توفي 392 ه ، راجع تاريخ
بغداد : 11 / 311 - 312 ووفيات الأعيان : 3 / 246 - 248 والمنتظم : 7 / 220 - 221 .
( 34 ) هو الحسن بن عبد الله المرزبان ، أبو سعيد السيرافي النحوي ، من علماء النحو والفقه ، ولي القضاء
ببغداد ، وكان لا يأكل إلا من كسب يده حيث ينسخ كل يوم ورقات يبيعها قبل أن يخرج إلى مجلسه ، وكان
الناس يدرسون عليه في فنون كثيرة ، توفي عام 368 ه .
راجع : تاريخ بغداد : 7 / 341 - 342 ووفيات الأعيان : 2 / 78 - 79 .
( 35 ) ابن خلكان - وفيات الأعيان : 4 / 45 .