تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
قوله تعالى : يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ( 35 ) فيه أربع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( يوم يحمى عليها في نار جهنم ) " يوم " ظرف ، والتقدير يعذبون يوم يحمى . ولا يصح أن يكون على تقدير : فبشرهم يوم يحمى عليها ، لان البشارة لا تكون حينئذ . يقال : أحميت الحديدة في النار ، أي أوقدت عليها . ويقال : أحميته ، ولا يقال : أحميت عليه . وها هنا قال عليها ، لأنه جعل " على " من صلة معنى الأحماء ، ومعنى الأحماء الايقاد . أي يوقد عليها فتكوى . الكي : إلصاق الحار من الحديد والنار بالعضو حتى يحترق الجلد . والجباه جمع الجبهة ، وهو مستوى ما بين الحاجب إلى الناصية . وجبهت فلانا بكذا ، أي استقبلته به وضربت جبهته . والجنوب جمع الجنب . والكي في الوجه أشهر وأشنع ، وفي الجنب والظهر آلم وأوجع ، فلذلك خصها بالذكر من بين سائر الأعضاء . وقال علماء الصوفية : لما طلبوا المال والجاه شان الله وجوههم ، ولما طووا كشحا ( 1 ) عن الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم ، ولما أسندوا ظهورهم إلى أموالهم ثقة بها واعتمادا عليها كويت ظهورهم . وقال علماء الظاهر : إنما خص هذه الأعضاء لان الغني إذا رأى الفقير زوى ما بين عينيه ( 2 ) وقبض وجهه . كما قال : ( 3 ) يزيد يغض الطرف عني ( 4 ) كأنما * زوى بين عينيه علي المحاجم فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى * ولا تلقني إلا وأنفك راغم وإذا سأله طوى كشحه ، وإذا زاده في السؤال وأكثر عليه ولاه ظهره . فرتب الله العقوبة على حال المعصية .
هامش
( 1 ) طوى كشحه عنه : إذا أعرض عنه . ( 2 ) جمعه وقبضه . ( 3 ) القائل هو الأعشى كما في ديوانه . ( 4 ) وفيه : يغض الطرف دوني .