إن شرخ الشباب والشعر الأسود * ما لم يعاص كان جنونا
ولم يقل يعاصيا .
التاسعة - إن قيل : من لم يكنز ولم ينفق في سبيل الله وأنفق في المعاصي ، هل
يكون حكمه في الوعيد حكم من كنز ولم ينفق في سبيل الله . قيل له : إن ذلك أشد ، فإن
من بذر ماله في المعاصي عصى من جهتين : بالانفاق والتناول ، كشراء الخمر وشربها . بل
من جهات إذا كانت المعصية مما تتعدى ، كمن أعان على ظلم مسلم من قتله أو أخذ ماله
إلى غير ذلك . والكانز عصى من جهتين ، وهما منع الزكاة وحبس المال لا غير . وقد
لا يراعى حبس المال ، والله أعلم .
العاشرة - قوله تعالى : ( فبشرهم بعذاب أليم ) قد تقدم معناه . وقد فسر النبي
صلى الله عليه وسلم هذا العذاب بقوله : ( بشر الكنازين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم
وبكي من قبل أقفائهم يخرج من جباههم ) الحديث . أخرجه مسلم . رواه أبو ذر في رواية :
( بشر الكنازين برضف ( 1 ) يحمى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من
نغض ( 2 ) كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه فيتزلزل ) الحديث . قال
علماؤنا : فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه لتعذيب قلبه وباطنه حين امتلأ
بالفرح بالكثرة في المال والسرور في الدنيا ، فعوقب في الآخرة بالهم والعذاب .
الحادية عشرة - قال علماؤنا : ظاهر الآية تعليق الوعيد على من كنز ولا ينفق
في سبيل الله ويتعرض للواجب وغيره ، غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة ،
فإن من لم يكنز ومنع الانفاق في سبيل الله فلا بد وأن يكون كذلك ، إلا أن الذي يخبأ تحت
الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عرفا ، فلذلك خص الوعيد به . والله أعلم .
هامش
( 1 ) الرضف : الحجارة المحماة .
( 2 ) النغض ( بالضم والفتح ) : أعلى الكتف وقيل : هو العظم الرقيق الذي على طرفه .