لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وأن كل ما جاء به محمد حق ، وأبرأ من كل دين
يخالف دين الإسلام - وهو بالغ صحيح العقل - أنه مسلم . وإن رجع بعد ذلك وأظهر
الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد . وقال أبو حفص الزنجاني وكان شيخنا
القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السمناني يقول : أول الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع
ما جاء به ، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى ، فيتقدم وجوب الإيمان بالله
تعالى عنده على المعرفة بالله . قال : وهذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق ، لأن أكثرهم
لا يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والاستدلال . فلو قلنا : إن أول الواجبات المعرفة بالله لأدى
إلى تكفير الجم الغفير والعدد الكثير ، وألا يدخل الجنة إلا آحاد الناس ، وذلك بعيد ، لأن
الرسول صلى الله عليه وسلم قطع بأن أكثر أهل الجنة أمته ، وأن أمم الأنبياء كلهم صف واحد
وأمته ثمانون صفا . وهذا بين لا إشكال فيه . والحمد لله .
الثالثة - ذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله
تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو كافر ، فيلزم على هذا
تكفير أكثر المسلمين ، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه . وقد أورد على بعضهم
هذا فقال : لا تشنع علي بكثرة أهل النار . أو كما قال .
قلت : وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه ، لأنه ضيق رحمة الله
الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين ، واقتحموا في تكفير عامة المسلمين . أي هذا من
قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول ، وانتهره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم
ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لقد حجرت واسعا " .
خرجه البخاري والترمذي وغيرهما من الأئمة . أترى هذا الأعرابي عرف الله بالدليل والبرهان
والحجة والبيان ؟ وأن رحمته وسعت كل شئ ، وكم من مثله محكوم له بالإيمان . بل اكتفى
صلى الله عليه وسلم من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين ، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك .
ألا تراه لما قال للسوداء : " أين الله " ؟ قالت : في السماء . قال : " من أنا " ؟ قالت :
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 332
مساهمون: القرطبي
ص٣٣٢