" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ( 1 ) " الآية . وقوله : " وفي أنفسكم أفلا تبصرون ( 2 ) " -
من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته . قالوا : وقد ذم الله تعالى من لم ينظر ،
وسلبهم الانتفاع بحواسهم فقال : " لهم قلوب لا يفقهون بها " الآية .
وقد اختلف العلماء في أول الواجبات ، هل هو النظر والاستدلال ، أو الإيمان الذي هو
التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة . فذهب القاضي وغيره إلى أن
أول الواجبات النظر والاستدلال ، لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة ، وإنما يعلم بالنظر
والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته . وإلى هذا ذهب البخاري رحمه الله حيث بوب
في كتابه ( باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل : " فاعلم أنه لا إله إلا الله ( 3 ) )
. قال القاضي : من لم يكن عالما بالله فهو جاهل ، والجاهل به كافر . قال ابن رشد
في مقدماته : وليس هذا بالبين ، لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد ،
وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد الله إلى الاعتبار به في غير ما آية . قال : وقد استدل الباجي
على من قال إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على
تسمية العامة والمقلد مؤمنين . قال : فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن يسمى مؤمنا
إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال . قال : وأيضا فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر
والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم : لا يحل لكم قتلنا ، لأن
من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل . قال :
وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم ، وألا يقتلوا حتى ينظروا يستدلوا .
قلت : هذا هو الصحيح في الباب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن
أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله " . وترجم ابن المنذر في كتاب الأشراف ( ذكر
صفة كمال الإيمان ) أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال : أشهد أن
هامش
( 1 ) راجع ج 20 ص 34 .
( 2 ) راجع ج 17 ص 40 .
( 3 ) راجع ج 16 ص 241 .