إنما شبهه بالكلب من بين السباع لأن الكلب ميت الفؤاد ،
وإنما لهاثه لموت فؤاده . وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن . وإنما صار الكلب كذلك لأنه لما نزل آدم
صلى الله عليه وسلم إلى الأرض شمت به العدو ، فذهب إلى السباع فأشلاهم ( 1 ) على آدم ، فكان
الكلب من أشدهم طلبا . فنزل جبريل بالعصا التي صرفت إلى موسى بمدين وجعلها آية له
إلى فرعون وملئه ، وجعل فيها سلطانا عظيما وكانت من آس الجنة ، فأعطاها آدم ( صلى الله
عليه وسلم يومئذ ( 2 ) ) ليطرد بها السباع عن نفسه ، وأمره فيما روي أن يدنو من الكلب ويضع
يده على رأسه ، فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه لسلطان العصا ، وألف به وبولده
إلى يومنا هذا ، لوضع يده على رأسه ، وصار حارسا من حراس ولده . وإذا أدب وعلم
الاصطياد تأدب وقبل التعليم ( 3 ) ، وذلك قوله : " تعلمونهن مما علمكم الله ( 4 ) " . السدي : كان
بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب . وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل
عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به . وقيل : هو في كل منافق . والأول أصح . قال
مجاهد في قوله تعالى : " فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث " أي إن تحمل
عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه يلهث . وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه .
وقال غيره : هذا شر تمثيل ، لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرا
ولا نفعا بكلب لاهث أبدا ، حمل عليه أو لم يحمل عليه ، فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان .
وقيل : من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يخفه على جهة الابتداء بالجفاء ، ثم تهدأ طائشته
بنيل كل عوض ( 5 ) خسيس . ضربه الله مثلا للذي قبل الرشوة في الدين حتى انسلخ من آيات
ربه . فدلت الآية لمن تدبرها على ألا يغتر أحد بعمله ولا بعلمه ، إذ لا يدري بما يختم له .
ودلت على منع أخذ الرشوة لإبطال حق أو تغييره . وقد مضى بيانه في " المائدة ( 4 ) " . ودلت
أيضا على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها ، لأن الله تعالى أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ
منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وألا يقبل منه إلا بحجة .
هامش
( 1 ) الإشلاء : الإغراء .
( 2 ) من ع ، ى .
( 3 ) في ع : وصار ذا أدب وعلم .
( 4 ) راجع ج 6 ص 65 وص 183 .
( 5 ) في ع : غرض .