قوله تعالى : ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) قال قتادة :
سأمنعهم فهم كتابي . وقاله سفيان بن عيينة . وقيل : سأصرفهم عن الإيمان بها . وقيل :
سأصرفهم عن نفعها ، وذلك مجازاة على تكبرهم . نظيره : " فلما زاغوا أزاغ الله ( 1 ) قلوبهم "
. والآيات على هذا المعجزات أو الكتب المنزلة . وقيل : خلق السماوات والأرض . أي أصرفهم
عن الاعتبار بها . ( يتكبرون ) يرون أنهم أفضل الخلق . وهذا ظن باطل ، فلهذا قال :
( بغير الحق ) فلا يتبعون نبيا ولا يصغون إليه لتكبرهم .
قوله تعالى : ( وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا
وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا ) يعني هؤلاء المتكبرون . أخبر عنهم أنهم يتركون طريق
الرشاد ويتبعون سبيل الغي والضلال ، أي الكفر يتخذونه دينا . ثم علل فقال : ( ذلك بأنهم
كذبوا بآياتنا ) أي ذلك الفعل الذي فعلته بهم بتكذيبهم . ( وكانوا عنها غافلين ) أي كانوا
في تركهم تدبر الحق كالغافلين . ويحتمل أن يكونوا غافلين عما يجازون به ، كما يقال : ما أغفل
فلان عما يراد به ، وقرأ مالك بن دينار " وإن يروا " بضم الياء في الحرفين ، أي يفعل ذلك بهم .
وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة " سبيل الرشد " بضم الراء وإسكان الشين . وأهل الكوفة
إلا عاصما " الرشد " بفتح الراء والشين . قال أبو عبيد : فرق أبو عمرو بين الرشد والرشد
فقال : الرشد في الصلاح . والرشد في الدين . قال النحاس : " سيبويه يذهب إلى أن الرشد
والرشد مثل السخط والسخط ، وكذا قال الكسائي . والصحيح عن أبي عمرو غير ما قال
أبو عبيد . قال إسماعيل بن إسحاق : حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء
قال : إذا كان الرشد وسط الآية فهو مسكن ، وإذا كان رأس الآية فهو محرك . قال النحاس :
يعني برأس الآية نحو " وهئ لنا من أمرنا رشدا ( 2 ) " فهما عنده لغتان بمعنى واحد ، إلا أنه
فتح هذا لتتفق الآيات . ويقال : رشد يرشد ،
ورشد يرشد . وحكى سيبويه رشد يرشد . وحقيقة الرشد والرشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد ، وهو ضد الخيبة " .
هامش
( 1 ) راجع ج 18 ص 82 .
( 2 ) راجع ج 10 ص 358 .