أن يوصف بالخلو عن المعرفة ، بل عرف الرب أول النظر . قال الزجاج : هذا الجواب عندي
خطأ وغلط ممن قال ، وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال : " واجنبني وبني أن نعبد
الأصنام ( 1 ) " وقال جل وعز : " إذ جاء ربه بقلب سليم ( 2 ) " أي لم يشرك به قط . قال : والجواب عندي
أنه قال " هذا ربي " على قولكم ، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر ، ونظير هذا
قوله تعالى : " أين شركائي ( 3 ) " وهو جل وعلا واحد لا شريك له . والمعنى : ابن شركائي على
قولكم . وقيل : لما خرج إبراهيم من السرب رأى ضوء الكوكب وهو طالب لربه ، فظن أنه
ضوءه قال : " هذا ربي " أي بأنه يتراءى لي نوره . ( فلما أفل ) علم أنه ليس بربه . " فلما رأى
القمر بازغا " ونظر إلى ضوئه " قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من
القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي " وليس هذا شركا . إنما نسب ذلك
الضوء إلى ربه فلما رآه زائلا ( 4 ) دله العلم على أنه غير مستحق لذلك ، فنفاه بقلبه وعلم أنه مربوب
وليس برب . وقيل : إنما قال " هذا ربي " لتقرير الحجة على قومه فأظهر موافقتهم ، فلما
أفل النجم قرر الحجة وقال : ما تغير لا يجوز أن يكون ربا . وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها
ويحكمون بها . وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا ما صح عن ابن عباس أنه قال
في قول الله عز وجل : " نور على نور ( 5 ) " قال : كذلك قلب المؤمن يعرف الله عز وجل
ويستدل عليه بقلبه ، فإذا عرفه أزداد نورا على نور ، وكذا إبراهيم عليه السلام عرف الله
عز وجل بقلبه واستدل عليه بدلائله ، فعلم أن له ربا وخالقا . فلما عرفه الله عز وجل بنفسه
ازداد معرفة فقال : " أتحاجوني في الله وقد هدان " وقيل : هو على معنى الاستفهام
والتوبيخ ، منكرا لفعلهم . والمعنى : أهذا ربي ، أو مثل هذا يكون ربا ؟ فحذف الهمزة .
وفي التنزيل " أفإن مت فهم الخالدون ( 6 ) " أي أفهم الخالدون . وقال الهذلي ( 7 ) :
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
هامش
( 1 ) راجع ج 9 ص 367 .
( 2 ) راجع ج 15 ص 91 .
( 3 ) راجع ج 10 ص 97 .
( 4 ) في ك : آفلا .
( 5 ) راجع ج 12 ص 255 .
( 6 ) راجع ج 11 ص 287 .
( 7 ) هو أبو خراش . رفوته سكته من الرعب .