قال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله : وأنا أكره ليس الفوط والمرقعات لأربعة أوجه :
أحدها : أنه ليس من لبس السلف ، وإنما كانوا يرقعون ضرورة . والثاني : أنه يتضمن
ادعاء الفقر ، وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعم ( 1 ) الله عليه . والثالث - إظهار التزهد ، وقد
أمرنا بستره . والرابع - أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة . ومن تشبه بقوم فهو منهم
وقال الطبري : ولقد أخطأ من أثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود
السبيل إليه من حله . ومن أكل البقول والعدس وأختاه على خبز البر . ومن ترك أكل اللحم
خوفا من عارض شهوة النساء . وسئل بشر بن الحارث عن لبس الصوف ، فشق عليه وتبينت
الكراهة في وجهه ثم قال : لبس الخزز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار .
وقال أبو الفرج : وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة ، لا المترفعة ولا الدون ، ويتخيرون
أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان ، ولم يكن تخير الأجود عندهم قبيحا . وأما اللباس الذي
بزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر ، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى ،
ويوجب احتقار اللابس ، وكل ذلك مكروه منهي عنه . فإن قال قائل تجويد اللباس هوى
النفس وقد أمرنا بمجاهدتها ، وتزين للخلق وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق . فالجواب
ليس كل ما تهواه النفس يذم ، وليس كل ما يتزين به للناس يكره ، وإنما ينهي عن ذلك إذا كان
الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدين . فإن الإنسان يجب أن يرى جميلا .
وذلك حظ للنفس لا يلام فيه . ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوي عمامته ويلبس
بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج . وليس في شئ من هذا ما يكره
ولا يذم . وقد روى مكحول عن عائشة قالت : كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ينتظرونه على الباب ، فخرج يريدهم ، وفي الدار ركوة فيها ماء ، فجعل ينظر في الماء
ويسوي لحيته وشعره . فقلت : يا رسول الله ، وأنت تفعل هذا ؟ قال : ( نعم إذا خرج الرجل
إلى إخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال ) . وفي صحيح . مسلم عن ابن مسعود
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) .
هامش
( 1 ) في ج وك : نعمة . وفى الحديث إن الله يحب أن يرى أثر نعمه على عبده رواء الترمذي .