طعام لأجل طيبه قط ، بل كان يأكل الحلوى والعسل والبطيخ والرطب ، وإنما يكره التكلف
لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة . والله تعالى أعلم .
قلت : وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات ، واحتج بقول عمر رضي الله عنه : إياكم
واللحم فإن له ضراوة كضرواة ( 1 ) الخمر . والجواب أن هذا من عمر قول خرج على من خشي منه
إيثار التنعم في الدنيا ، والمداومة على الشهوات ، وشفاء النفس من اللذات ، ونسيان الآخرة
والإقبال على الدنيا ، ولذلك كان يكتب عمر إلى عمال : إياكم والتنعم وزي أهل العجم ،
واخشوشنوا . ولم يرد رضي الله عنه تحريم شئ أحله الله ، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك اسمه .
وقول الله عز وجل أولى ما امتثل واعتمد عليه . قال الله تعالى : " قل من حرم زينة الله
التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " . وقال عليه السلام : ( سيد آدام الدنيا والآخرة
اللحم ) . وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل
الطبيخ بالرطب ويقول : ( يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا ) . والطبيخ لغة
في البطيخ ، وهو من المقلوب . وقد ( 2 ) مضى في " المائدة " الرد على من آثر أكل الخشن من
الطعام . وهذه الآية ترد عليه وغيرها : والحمد لله .
الرابعة - قوله تعالى : ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ) يعني بحقها من توحيد
الله تعالى والتصديق له ، فإن الله ينعم ويرزق ، فإن وحده المنعم عليه وصدقه فقد قام بحق
النعمة ، وإن كفر فقد أمكن الشيطان من نفسه . وفي صحيح الحديث ( لا أحد أصبر على أذى
من الله يعافيهم ويرزقهم وهم يدعون له الصاحبة والولد ) . وتم الكلام على " الحياة الدنيا " .
ثم قال " خالصة " بالرفع وهي قراءة ابن عباس ونافع . " خالصة يوم القيامة " أي يخلص
الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا ، وليس للمشركين فيها شئ كما كان لهم في الدنيا من
الاشتراك فيها . ومجاز الآية : قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم ، وهي للمؤمنين
هامش
( 1 ) أي أن له عادة ينزع إليها كعادة الخمر . أي عادة طلابة لأكله وتسمى القرم وهي شدة شهوة اللحم .
( 2 ) راجع ج 6 ص 260 .