قلت : وقد يكون هذا معنى قوله عليه السلام : ( المؤمن يأكل في معي واحد )
أي التام الإيمان ، لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما يصير إليه من أمر
الموت وما بعده ، فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته . والله أعلم .
وقال ابن زيد : معنى " ولا تسرفوا " لا تأكلوا حراما . وقيل : ( من السرف أن تأكل
كل ما اشتهيت ) . رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، خرجه ابن ماجة
في سننه . وقيل : من الإسراف الأكل بعد الشبع . وكل ذلك محظور . وقال لقمان لابنه :
يا بني لا تأكل شبعا فوق شبع ، فإنك إن تنبذه ( 1 ) للكلب خير من أن تأكله . وسأل سمرة
بن جندب عن ابنه ما فعل ؟ قالوا : بشم البارحة . قال : بشم ! فقالوا : نعم . قال : أما إنه
لو مات ما صليت عليه . وقيل : إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسما في أيام حجهم ،
ويكتفون باليسير من الطعام ، ويطوفون عراة . فقيل لهم : " خذوا زينتكم عند كل مسجد
وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " في تحريم ما لم يحرم عليكم .
قوله تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات
من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيمة
كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون
فيه أربع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( قل من حرم زينة الله ) بين أنهم حرموا من تلقاء أنفسهم
ما لم يحرمه الله عليهم . والزينة هنا الملبس الحسن ، إذا قدر عليه صاحبه . وقيل : جميع الثياب ،
كما روي عن عمر : إذا وسع الله عليكم فأوسعوا . وقد تقدم . وروي عن علي بن الحسين بن علي
بن أبي طالب شيخ مالك رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء خز بخمسين دينارا ،
يلبسه في الشتاء ، فإذا كان في الصيف تصدق به ، أو باعه فتصدق بثمنه ، وكان يلبس في الصيف
هامش
( 1 ) في ج : تنشره .