عليه وسلم حض على التقليل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبلغة . وقد كانت العرب تمتدح
بقلة الأكل وتذم بكثرته . كما قال قائلهم :
تكفيه فلذة كبد إن ألم بها * من الشواء ويروي شربه الغمر ( 1 )
وقالت أم زرع في ابن ( 2 ) أبي زرع : ويشبعه ذراع الجفرة ( 3 ) . وقال حاتم الطائي يذم بكثرة الأكل :
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله * وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا ( 4 )
وقال الخطاب : معنى قوله ( صلى الله ( 5 ) عليه وسلم ) : المؤمن يأكل في معي واحد أنه
يتناول دون شبعه ، ويؤثر على نفسه ويبقي من زاده لغيره ، فيقنعه ما أكل . والتأويل
الأول أولى والله أعلم . وقيل في قوله عليه السلام : ( والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) ليس
على عمومه ، لأن المشاهدة تدفعه ، فإنه قد يوجد كافر أقل أكلا من مؤمن ، ويسلم الكافر
فلا يقل أكله ولا يزيد . وقيل : هو إشارة إلى معين . ضاف النبي صلى الله عليه وسلم
ضيف كافر يقال : إنه الجهجاه الغفاري . وقيل : ثمامة بن أثال . وقيل : نضلة بن عمرو
الغفاري . وقيل : بصرة بن أبي بصرة الغفاري . فشرب حلاب سبع شياه ، ثم إنه أصبح
فأسلم فشرب حلاب شاة فلم يستتمه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك . فكأنه
قال : هذا الكافر . والله أعلم . وقيل : إن القلب لما تنور بنور التوحيد نظر إلى الطعام
بعين التقوى على الطاعة ، فأخذ منه قدر الحاجة ، وحين كان مظلما بالكفر كان أكله
كالبهيمة ترتع حتى تثلط ( 6 ) .
واختلف في هذه الأمعاء ، هل هي حقيقة أم لا ؟ فقبل حقيقة ، ولها أسماء معروفة
عند أهل العلم بالطب والتشريح . وقيل : هي كنايات عن أسباب سبعة يأكل بها النهم :
يأكل للحاجة والخبر ( 7 ) والشم والنظر واللمس والذوق ويزيد استغناما ( 8 ) . وقيل : المعنى أن يأكل
أكل من له سبعة أمعاء . والمؤمن بخفة أكله يأكل أكل من ليس له إلا معي واحد ،
هامش
( 1 ) البيت لأعشى باهلة يرثى أخاه المنتشر بن وهب الباهلي .
ورواية اللسان : يكفيه حزة فلذ . . . والمعنى واحد . والغمر ( بضم الأول وفتح الثاني ) : القرح الصغير .
( 2 ) في ع : ابنة . تشبعها
( 3 ) الجفرة : الصغيرة
من ولد المعزى إذا بلغ أربعة أشهر .
( 4 ) الذي في ديوانه : * وإنك مهما تعط . . . الخ .
( 5 ) من ع .
( 6 ) الثلط : الرقيق من الروث .
( 7 ) يريد شهوة الأذن .
( 8 ) في ع : استتعاما .