أي من يخب . وقال ابن الأعرابي : يقال غوى الرجل يغوي ( 1 ) غيا إذا فسد عليه أمره ،
أو فسد هو في نفسه . وهو أحد معاني قول تعالى : " وعصى آدم ربه فغوى ( 2 ) " أي فسد
عيشه في الجنة . ويقال : غوي الفصيل إذا لم يدر لبن أمه .
الثانية - مذهب أهل السنة أي أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر ، ولذلك نسب
الإغواء في هذا إلى الله تعالى وهو الحقيقة ، فلا شئ في الوجود إلا وهو مخلوق له ، صادر
عن إرادته تعالى . وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل
ما زينه لهم ، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون : أخطأ إبليس ، وهو أهل للخطأ حيث
نسب الغواية إلى ربه ، تعالى الله عن ذلك . فيقال لهم : وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما
تصنعون في نبي مكرم معصوم ، وهو ونوح عليه السلام حيث قال لقومه : " ولا ينفعكم نصحي
إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون ( 3 ) " وقد روي
أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام ، وكان متهما بالقدر ، وكان من الفقهاء الكبار ، فجلس
إليه فقال له طاوس : تقوم أو تقام ؟ فقيل لطاوس : تقول هذا لرجل فقيه ! فقال : إبليس
أفقه منه ، يقول إبليس : رب بما أغويتني . ويقول هذا : أنا أغوي نفسي .
الثالثة - قوله تعالى : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) أي بالصد عنه ، وتزيين
الباطل حتى يهلكوا كما هلك ، أو يضلوا كما ضل ، أو يخيبوا كما خيب ، حسب ما تقدم من
المعاني الثلاثة ف " أغويتني " . والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة . و " صراطك "
منصوب على حذف " على " أو " في " من قوله : " صراطك المستقيم " ، كما حكى سيبويه
" ضرب زيد الظهر والبطن " . وأنشد :
لدن بهز الكف يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثعلب ( 4 )
هامش
( 1 ) من ج .
( 2 ) راجع ج 11 ص 255 .
( 3 ) راجع ج 9 ص 28 .
( 4 ) البيت لساعدة بن جؤية . يريد في الطريق . وصف في البيت رمحا لين الهز فشبه اضطرابه في نفسه
أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره . والعسل العسلان ( بالتحريك ) : سير سريع في اضطراب . واللدن : الناعم
اللين . ( عن شرح الشواهد ) .