وذهب القفال من الشافعية وأبو الحسين البصري إلى وجوب التعبد به عقلا . وذهب النظام
إلى أنه يستحيل التعبد به عقلا وشرعا ، ورده بعض أهل الظاهر . والأول الصحيح . قال
البخاري في ( كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ) : المعنى لا عصمة لأحد إلا في كتاب الله
أو سنة نبيه أو في إجماع العلماء إذا وجد فيها الحكم فإن لم يوجد فالقياس . وقد ترجم على هذا
( باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمها ليفهم السائل ) . وترجم بعد هذا
( باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها ) . وقال الطبري : الاجتهاد
والاستنباط من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة هو الحق الواجب ،
والفرض اللازم لأهل العلم . وبذلك جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن جماعة
الصحابة والتابعين . وقال أبو تمام المالكي : أجمعت الأمة على القياس ، فمن ذلك أنهم أجمعوا
على قياس الذهب والورق في الزكاة . وقال أبو بكر : أقيلوني بيعتي . فقال علي : والله لا نقيلك
ولا نستقيلك ، رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا ؟ فقاس الإمامة
على الصلاة . وقاس الصديق الزكاة على الصلاة وقال : والله لا أفرق بين ما جمع الله . وصرح علي
بالقياس في شارب الخمر بمحضر من الصحابة وقال : إنه إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فحده
حد القاذف . وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري كتابا فيه : الفهم فيما يختلج في صدرك
مما لم يبلغك في الكتاب والسنة ، أعرف الأمثال والأشباه ، ثم قس الأمور عند ذلك ، فاعمد
إلى أحبها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى . الحديث بطوله ذكره الدارقطني .
وقد قال أبو عبيدة لعمر ( رضي الله ( 1 ) عنهما ) في حديث الوباء ، حين رجع عمر من سرغ ( 2 ) :
نفر من قدر الله ؟ فقال عمر : نعم ! نفر من قدر الله إلى قدر الله . ثم قال له عمر :
أرأيت ( 3 ) . . . فقايسه وناظره بما يشبه من مسألته بمحضر المهاجرين والأنصار ، وحسبك .
وأما الآثار وأي القرآن في هذا المعنى فكثير . وهو يدل على أن القياس أصل من أصول الدين ،
وعصمة من عصم المسلمين ، يرجع إليه المجتهدون ، ويفزع إليه العلماء العاملون ، فيستنبطون
هامش
( 1 ) من ع .
( 2 ) موضع قرب الشام بين المغيثة وتبوك .
( 3 ) راجع الموطأ : " باب ما جاء في الطاعون " .