ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق . هذا قول مجاهد ، رواه عنه ابن جريج وابن أبي نجيح .
قال النحاس : وهذا أحسن الأقوال . يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم ، ثم صورهم
حين أخذ عليهم الميثاق ، ثم كان السجود بعد . ويقوي هذا " وإذ أخذ ربك من بني آدم
من ظهورهم ( 1 ) ذريتهم " . والحديث ( أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق ) . وقيل :
" ثم " للإخبار ، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم ، ثم صورناكم
أي في الأرحام . قال النحاس : هذا صحيح عن ابن عباس .
قلت : كل هذه الأقوال محتمل ، والصحيح منها ما يعضده التنزيل ، قال الله تعالى :
" ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( 2 ) " يعني آدم . وقال : " وخلق منها زوجها ( 3 ) " .
ثم قال : " جعلناه " أي جعلنا نسله وذريته " نطفة في قرار مكين " الآية ( 2 ) . فآدم خلق من
طين ثم صور وأكرم بالسجود ، وذريته صوروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها
وفي أصلاب الآباء . وقد تقدم في أول سورة الأنعام ( 4 ) أن كل إنسان مخلوق من نطفة
وتربة ، فتأمله وقال هنا : " خلقناكم ثم صورناكم " وقال في آخر الحشر : " هو الله الخالق
البارئ المصور ( 5 ) " . فذكر التصوير بعد البرء . وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى . وقيل :
معنى " ولقد خلقناكم " أي خلقنا الأرواح أولا ثم صورنا الأشباح آخرا .
قوله تعالى : ( إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) استثناء من غير الجنس . وقيل :
من الجنس . وقد اختلف العلماء : هل كان من الملائكة أم لا . كما سبق بيانه
في البقرة ( 6 ) .
قوله تعالى : قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ( 12 )
هامش
( 1 ) راجع ص 313 من هذا الجزء .
( 2 ) راجع ج 12 ص 108 .
( 3 ) راجع ج د ص 1 .
( 4 ) راجع ج 6 ص 388 .
( 5 ) راجع ج 18 ص 48 .
( 6 ) راجع ج 1 ص 29 .