المعنى : يا محمد إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فجالستهم بعد النهى . ( فلا تقعد بعد
الذكرى " أي إذا ذكرت فلا تقعد ( مع القوم الظالمين ) يعني المشركين . والذكرى اسم للتذكير .
الثانية - قيل : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، ذهبوا إلى تبرئته
عليه السلام من النسيان . وقيل : هو خاص به ، والنسيان جائز عليه . قال ابن العربي :
وإن عذرنا أصحابنا في ( قولهم ( 1 ) إن ) قول تعالى : " لئن أشركت ليحبطن عملك " ( 2 ) خطاب
للأمة باسم النبي صلى الله عليه وسلم لاستحالة الشرك عليه ، فلا عذر لهم في هذا لجواز النسيان
عليه . قال عليه السلام ، " نسي آدم فنسيت ذريته " خرجه الترمذي وصححه . وقال مخبرا
عن نفسه : " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني " . خرجه في الصحيح ،
فأضاف النسيان إليه . وقال وقد سمع قراءة رجل : " لقد أذكرني أية كذا وكذا كنت أنسيتها " .
واختلفوا بعد جواز النسيان عليه ، هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أم لا . ؟
فذهب إلى الأول - فيما ذكره القاضي عياض - عامة العلماء والأئمة النظار ، كما هو ظاهر القرآن
والأحاديث ، لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك ولا يقره عليه . ثم اختلفوا هل
من شرط التنبيه اتصال بالحادثة على الفور ، وهو مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء ،
أو يجوز في ذلك التراخي ما لم ينخر عمره وينقطع تبليغه ، وإليه نحا أبو المعالي . ومنعت
طائفة من العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية ، كما منعوه اتفاقا في الأقوال
البلاغية واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك ، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق . وشذت
الباطنية وطائفة من أرباب علم القلوب فقالوا : لا يجوز النسيان عليه ، وإنما ينسى قصدا
ويتعمد صورة النسيان ليسن . ونحا إلى هذا عظيم من أئمة التحقيق وهو أبو المظفر
الإسفرايني في كتابه ( الأوسط ) وهو منحى غير سديد ، وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد .
قوله تعالى : وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن
ذكرى لعلهم يتقون ( 69 )
هامش
( 1 ) الزيادة من ابن العربي .
( 2 ) راجع ج 15 ص 276 .