يعم الطريق كلها ، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها - هذا - مع ما يحصل
في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق ( 1 ) المدينة ، ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من
إتلافها ، وأنه لا ينتفع بها ، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك . والله أعلم . فإن قيل : التنجيس
حكم شرعي ولا نص فيه ، ولا يلزم من كون الشئ محرما أن يكون نجسا ، فكم من محرم
في الشرع ليس بنجس ، قلنا : قوله تعالى : " رجس " يدل على نجاستها ، فإن الرجس في اللسان
النجاسة ، ثم لو التزمنا ألا نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصا لتعطلت الشريعة ، فإن النصوص
فيها قليلة ، فأي نص يوجد على تنجيس البول والعذرة والدم والميتة وغير ذلك ؟ وإنما هي الظواهر
والعمومات والأقيسة . وسيأتي في سورة " الحج " ( 2 ) ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى .
السابعة - قوله : " فاجتنبوه " يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشئ
بوجه من الوجوه ، لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك . وعلى هذا تدل
الأحاديث الواردة في الباب . وروى مسلم عن ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ( 3 ) راوية خمر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ هل علمت أن الله حرمها ]
قال : لا ، قال : فسار رجلا ( 4 ) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ بم ساررته ] قال : أمرته
ببيعها ، فقال : [ إن الذي حرم شربها حرم بيعها ] ، قال : ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها ،
فهذا حديث يدل على ما ذكرناه ، إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبينه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، كما قال في الشاة الميتة . [ هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ] الحديث .
الثامنة - أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم ، وفي ذلك دليل على تحريم بيع
العذرات وسائر النجاسات وما لا يحل أكله ، ولذلك - والله أعلم - كره مالك بيع زبل
الدواب ، ورخص فيه ابن القاسم لما فيه من المنفعة ، والقياس ما قاله مالك ، وهو مذهب
الشافعي ، وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك .
هامش
( 1 ) في ج وع وك . وفي ا : طريق .
( 2 ) راجع ج 12 ص 53 .
( 3 ) الرواية : القربة
التي فيها الخمر سماها مرة براوية ومرة بمزادة وهما بمعنى . وربما قالوا مزاد بغير ( هاء ) كما وقع في بعض النسخ .
( 4 ) في ج وع وك : إنسانا .