لا غير . والرجس يقال للامرين . ومعنى " من عمل الشيطان " أي بحمله عليه وتزيينه .
وقيل : هو الذي كان عمل مبادئ هذه الأمور بنفسه حتى اقتدى به فيها .
الخامسة - قوله تعالى : " فاجتنبوه " يريد أبعدوه واجعلوه ناحية ، فأمر الله تعالى
باجتناب هذه الأمور ، واقترنت بصيغة الامر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة ، فحصل
الاجتناب في جهة التحريم ، فبهذا حرمت الخمر . ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة
" المائدة " نزلت بتحريم الخمر ، وهي مدنية من آخر ما نزل ، وورد التحريم في الميتة والدم
ولحم الخنزير في قوله تعالى : " قل لا أجد " ( 1 ) وغيرها من الآي خبرا ، وفي الخمر نهيا وزجرا ،
وهو أقوى التحريم وأوكده . روى ابن عباس قال : لما نزل تحريم الخمر ، مشى أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض ، وقالوا حرمت الخمر ، وجعلت عدلا ( 2 ) للشرك ،
يعني أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شرك . ثم علق " لعلكم تفلحون " فعلق الفلاح بالامر ،
وذلك يدل على تأكيد الوجوب . والله أعلم .
السادسة - فهم الجمهور من تحريم الخمر ، واستخباث الشرع لها ، وإطلاق الرجس
عليها ، والامر باجتنابها ، الحكم بنجاستها . وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني
صاحب الشافعي ، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة ، وأن المحرم
إنما هو شربها . وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة ،
قال : ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم ، ولنهى رسول الله صلى الله
عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق . والجواب ، أن الصحابة فعلت ذلك ،
لأنه لم يكن لهم سروب ( 3 ) ولا آبار يريقونها فيها ، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف
في بيوتهم . وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت ،
ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة ، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور . وأيضا فإنه
يمكن التحرز منها ، فإن طرق المدينة كانت واسعة ، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرا
هامش
( 1 ) راجع ج 7 ص 115 .
( 2 ) عدل : مثل ونظير .
( 3 ) السرب : حفيرة تحت الأرض .