بل بين له الحكم ، ولأنه مخاطب بالعمل بالأول بحيث لو تركه عصى بلا خلاف ، وإن كان
الناسخ قد حصل في الوجود ، وذلك كما وقع لأهل قباء ( 1 ) ، إذ كانوا يصلون إلى بيت المقدس
إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ ، فمالوا نحو الكعبة . وقد تقدم في سورة ( البقرة ) ( 2 ) والحمد لله ،
وتقدم فيها ذكر الخمر واشتقاقها والميسر ( 3 ) . وقد مضى في صدر هذه السورة القول في الأنصاب ( 4 )
والأزلام . والحمد لله .
الرابعة عشرة - قوله تعالى : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء
في الخمر والميسر ) . الآية . أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء ( 5 )
بيننا بسبب الخمر وغيره ، فحذرنا منها ، ونهانا عنها . روي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر
وانتشوا ، فعبث بعضهم ببعض ، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا ، وكانوا
إخوة ليس في قلوبهم ضغائن ، فجعل بعضهم ( 6 ) يقول : لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا ،
فحدثت بينهم الضغائن ، فأنزل الله : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء " الآية .
الخامسة عشرة - قوله تعالى : ( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) يقول :
إذا سكرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا ، وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعلي ، وروي : بعبد الرحمن
كما تقدم في " النساء " ( 7 ) . وقال عبيد الله بن عمر : سئل القاسم بن محمد عن الشطرنج أهي
ميسر ؟ وعن النرد أهو ميسر ؟ فقال : كل ما صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر .
قال أبو عبيد : تأول قوله تعالى : " ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة " .
السادسة عشرة - قوله تعالى : ( فهل أنتم منتهون ) لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا
وعيد شديد زائد على معنى انتهوا قال : انتهينا . وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن
ينادي في سكك المدينة ، ألا إن الخمر قد حرمت ، فكسرت الدنان ، وأريقت الخمر حتى
جرت في سكك المدينة .
هامش
( 1 ) قباء قرية على بعد ميلين من المدينة .
( 2 ) راجع ج 2 ص 148 وما بعدها .
( 3 ) راجع ج ص 51 وما بعدها .
( 4 ) راجع ص 57 وما بعدها من هذا الجزء .
( 5 ) في ج وك : بيننا .
( 6 ) في ج وع : الرجل .
( 7 ) راجع ج 5 ص 200 .