وذلك قبل أن تحرم الخمر ، قال : فأتيتهم في حش - والحش البستان - فإذا رأس جزور
مشوي [ عندهم ] ( 1 ) وزق من خمر ، قال : فأكلت وشربت معهم ، قال : فذكرت الأنصار
والمهاجرين عندهم فقلت : المهاجرون خير من الأنصار ، قال : فأخذ رجل لحيي جمل
فضربني به فجرح أنفي - وفى رواية ففزره ( 2 ) وكان أنف سعد مفزورا - فأتيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأنزل الله تعالى في - يعني نفسه شأن الخمر - " إنما الخمر
والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " .
الثالثة - هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحا معمولا به
معروفا عندهم بحيث لا ينكر ولا يغير ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه ، وهذا ما لا خلاف
فيه ، يدل عليه آية النساء " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " [ النساء : 43 ] على ما تقدم . وهل كان يباح
لهم شرب القدر الذي يسكر ؟ حديث حمزة ظاهر فيه حين بقر خواصر ناقتي علي رضي الله
عنهما وجب أسنمتهما ، فأخبر علي بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء إلى حمزة فصدر عن
حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبي صلى الله
عليه وسلم وتوقيره وتعزيره ، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر ، ولذلك قال
الراوي : فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر
على حمزة ولا عنفه ، لا في حال سكره ولا بعد ذلك ، بل رجع لما قال حمزة : وهل أنتم إلا عبيد
لأبي على عقبيه القهقري وخرج عنه . وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه فإنهم قالوا :
إن السكر حرام في كل شريعة ، لان الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم ، وأصل المصالح العقل ،
كما أن أصل المفاسد ذهابه ، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه ، إلا أنه يحتمل حديث
حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر لكنه أسرع فيه فغلبه . والله أعلم .
الرابعة - قوله تعالى : " رجس " قال ابن عباس في هذه الآية : ( رجس ) سخط
وقد يقال للنتن والعذرة والأقذار رجس . والرجز بالزاي العذاب لا غير ، والركس العذرة
هامش
( 1 ) الزيادة عن ( صحيح مسلم ) .
( 2 ) فزره : شقه .