وبه قال الشافعي وأبو ثور والثوري والطبري وداود . واختلف قول الشافعي في نفي العبد ،
فمرة قال : أستخير الله في نفي العبد ، ومرة قال : ينفى نصف سنة ، ومرة قال : ينفى سنة
إلى غير بلده ، وبه قال الطبري . واختلف أيضا قوله في نفي الأمة على قولين . وقال مالك :
ينفى الرجل ولا تنفى المرأة ولا العبد ، ومن نفي حبس في الموضع الذي ينفى إليه . وينفى
من مصر إلى الحجاز ( 1 ) وشغب وأسوان ونحوها ، ومن المدينة إلى خيبر وفدك ، وكذلك فعل
عمر بن عبد العزيز . ونفى علي من الكوفة إلى البصرة . وقال الشافعي : أقل ذلك يوم وليلة .
قال ابن العربي : كان أصل النفي أن نبي إسماعيل ( 2 ) أجمع رأيهم على أن من أحدث حدثا
في الحرم غرب منه ، فصارت سنة فيهم يدينون بها ، فلأجل ذلك استن الناس إذا أحدث
أحد حدثا غرب عن بلده ، وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاء الاسلام فأقره في الزنا
خاصة . احتج من لم ير النفي على العبد بحديث أبي هريرة في الأمة ، ولأن تغريبه عقوبة
لمالكه تمنعه من منافعه في مدة تغريبه ، ولا يناسب ذلك تصرف الشرع ، فلا يعاقب
غير الجاني . وأيضا فقد سقط عنه الجمعة والحج والجهاد الذي هو حق لله تعالى لأجل السيد ،
فكذلك التغريب . والله أعلم .
والمرأة إذا غربت ربما يكون ذلك سببا لوقوعها فيما أخرجت من سببه وهو الفاحشة ،
وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها ، ولأن الأصل منعها من الخروج من بيتها
وأن صلاتها فيه أفضل . وقال صلى الله عليه وسلم : ( أعروا النساء يلزمن الحجال ( 3 ) فحصل
من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار . وهو مختلف فيه
عند الأصوليين والنظار . وشذت طائفة فقالت : يجمع الجلد والرجم على الشيخ ، ويجلد
الشاب ، تمسكا بلفظ ( الشيخ ) في حديث زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ) خرجه النسائي ( 4 ) . وهذا فاسد ،
لأنه قد سماه في الحديث الآخر ( الثيب ) .
هامش
( 1 ) كذا في الأصول . وشغب ( بفتح فسكون ) : منهل بين مصر والشام . ( عن القاموس ) .
( 2 ) في الأصول بني إسرائيل . والتصحيح من ابن العربي : وفيه أجمع رأى خيار بنى إسماعيل .
( 3 ) الحجال : جمع حجلة بالتحريك ، والمراد البيت ، أي جردوهن من ثياب الخروج يلزمن البيوت .
( 4 ) كذا في الأصول . وهذه رواية البخاري ، وفى هامش ب : نسخة : البخاري . وهو الصواب .