سجدة ، فسجدوا فدعا الله تعالى وقال : اللهم إني قد فعلت ما أمكنني فافعل اللهم ما أنت
أهل لذلك ، فوفقهم الله تعالى للاسلام فاتخذه الله خليلا لذلك . ويقال : لما دخلت عليه
الملائكة بشبه الآدميين وجاء بعجل سمين فلم يأكلوا منه وقالوا : إنا لا نأكل شيئا بغير ثمن
فقال لهم : أعطوا ثمنه وكلوا ، قالوا : وما ثمنه ؟ قال : أن تقولوا في أوله باسم الله وفي آخره
الحمد لله ، فقالوا فيما بينهم : حق على الله أن يتخذه خليلا ، فاتخذه الله خليلا . وروى جابر
ابن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اتخذ الله إبراهيم خليلا لاطعامه الطعام
وإفشائه السلام وصلاته بالليل والناس نيام ) . وروى عبد الله بن عمرو بن العاص
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يا جبريل لم أتخذ الله إبراهيم خليلا ) ؟ قال : لاطعامه
الطعام يا محمد . وقيل : معنى الخليل الذي يوالي في الله ويعادي في الله . والخلة بين الآدميين
الصداقة ، مشتقة من تخلل الاسرار بين المتخالين . وقيل : هي من الخلة فكل واحد من
الخليلين يسد خلة صاحبه . وفي مصنف أبي داود عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : ( الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) . ولقد أحسن من قال :
من لم تكن في الله خلته * فخليله منه على خطر
آخر :
إذا ما كنت متخذا خليلا * فلا تثقن بكل أخي إخاء
فإن خيرت بينهم فألصق * بأهل العقل منهم والحياء
فإن العقل ليس له إذا ما * تفاضلت الفضائل من كفاء
وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه :
أخلاء الرجال هم كثير * ولكن في البلاء هم قليل
فلا تغررك خلة من تؤاخي * فما لك عند نائبة خليل
وكل أخ يقول أنا وفي * ولكن ليس يفعل ما يقول
سوى خل له حسب ودين * فذاك لما يقول هو الفعول
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) — صفحة 401
مساهمون: القرطبي
ص٤٠١